الهجاء الكاريكاتوري ، أفضل أنواع الهجاء وألطفها وأشدها وقعا على نفوس المهجوين ، إذ يجسّم العيوب بتصوير كاريكاتوري يضحك ويثير السخرية بالمهجو ، خاصة إذا كان التصوير يرمز إلى التقليل والتهميش أو يؤكد على رموز مستهانة ومستحقرة . وهذا ما يشير إليه القاضي الجرجاني في قوله : « فأمّا الهجو ما خرج مخرج التهزّل والتهافت وما اعترض بين التصريح والتعريض ، وما قربت معانيه ، وسهل حفظه ، وأسرع علوقه بالقلب ولصوقه بالنفس » ( القيرواني 846 : 2 ) . وهو في نفس الوقت تعبير عن نفسية الشاعر بالإضافة إلى مواكبتها لمجريات الحياة وإبرازها لمشاعر وانفعالات الناس من خلال التجارب المختلفة ، بحيث توقظ في نفوس الآخرين شعورا مماثلا لما يحس الشاعر .
2 - 4 نشأة الهجاء الكاريكاتوري وتطوّره
تفيد دراسة تاريخ الهجاء الكاريكاتوري ، في ضبط خصائصه ومميزاته بكل دقة ، وتساهم في فهم وإدراك السر الذي جاء من أجله هذا الفن ؛ كما أنّ هذا المبحث يكون فاتحة لدراسة عناصره الأساسية ، ومدى استخدامه ووظائفه وأسلوبه .
لا شكّ أنّ حاجة التواصل بين أبناء البشر اضطرتهم إلى إخراج لغة يتفهمونها ، فعبروا عن ذواتهم بالموسيقى والرسم والشعر ، إضافة إلى تسجيل أحداث حياتهم ويومياتهم ومعاركهم . إذ إنّ الكتب المتعلقة بالبحث في تاريخ الفن والأدب - بمثابة أحد الفنون البشرية - تتفق على أنّ مولد الفن في حياة الإنسان قد ارتبط بمولده نفسه أيضا منذ اللحظة الأولى ، إذ توشك النشأتان أن تكون نشأة واحدةً ( انظر : نصر 92 - 98 ) ؛ حيث كان الفن وسيلة فعالة لتفاهم الإنسان مع بني جنسه ، ووسيلة لكسب القوت وغاية لبقاء الإنسان وهو بهذا يستطيع أن يترك آثارا مكتوبة تسجل أعماله وتصرفاته ( انظر : حميدة 42 ) .
إضافة إلى ذلك كان شغف كل من مسك أداة الفنون بأنواعها المختلفة منذ بدء التاريخ ، هو تصوير المحيط الطبيعي بأشكاله كافة ، وتصوير الوجه الإنساني وإخراج نسبه وأبعاده بطريقة الأمثل . فتطور الرؤية الفنية للشكل المصور بأنواعه المختلفة تابع للتطور الذي يحلّ في أسلوب تفكيرالإنسان ، وتغيير وسائل معيشته ، وكيفية عواطفه ؛ حيث إنّ الإنسان قد