وكأنَّما صُفِعَتْ قَفَاهُ مَرَة * وأحَسَّ ثانية لَهَا فَتَجَمَّعا
( 11 : 1 )
لا شكّ أنّنا نرى في حياتنا اليومية بعض الأشخاص الذين يصابون بهذه العاهة الجسدية ، فننظر إليهم وربما نتعاطف معهم ، دون التفكير بهذا الشكل الثابت للأحدب ، لكن ريشة ابن الرومي لم تتركه دون التفكير به ، بل أعطته حالة من حالات التركيز ، ليتحوّل إلى مادة مضحكة . فكما نرى أنّ الشاعر ، ينقل المبنى السكوني إلى المبنى الحركي ، ليعطي الصورة شحنة كاريكاتورية . إذ « السكون أو العلة في سكونها ، لا تقول شيئا . وعندما تفجر حركتها ، تستطيع أن تقول الكثير » ( سقيرق 7 ) . وإذا تأمّلنا لاحظنا أنّ ابن الرومي استخدم الشكل المأساوي ، ليرسم تصويرا كاريكاتوريا مثيرا للضحك ؛ حيث إنّه بمقدرته الشعرية وبراعته الخيالية وحسه الداخلي قد خلق صورة انقلبت الشفقة التي تثيرها رؤية الأحدب بشكله المأساوي إلى السخرية وبدّلت الحزن الذي يحسّه الناظر بالنظر إليه إلى الابتسامة والضحك ، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر نزعة الشاعر العدوانية في خلق هذه الصورة ، أو رغبته في الانتقام من المهجو ، لكن هذا الأمر لا يقلل شيئا من عبقريته في رسمها الكاريكاتوري .
ولا بأس بنا أن نقف على نموذج آخر من الصور الكاريكاتورية التي قد رسمها ابن الرومي لأحد مهجويه ، لكي نعرف هذا اللون من الهجاء أكثر بكثير . قال :
أقِصَرٌ وَعَوَرٌ * وَصَلَعٌ في واحِدِ
شَوَاهِدٌ مَقْبُولَةٌ * نَاهِيكَ مِنْ شَوَاهِدِ
تُخْبِرُنَا عَنْ رَجُلٍ * مُسْتَعْمِلِ الْمَقافِدِ
( 277 : 2 )
لا شكّ أنّ هذه الأبيات الثلاثة ، تكون خير نموذج لشعر الهجاء ، كما تعتبر نموذجا مقبولا إلى حد ما للإشارة إلى الهجاء الكاريكاتوري . فإنّ اجتماع هذه الصفات الغريبة العجيبة في شخص واحد ، وسرعة الوزن التي لا بدّ أن تدهشنا ، إضافة إلى علْمنا أن القفد هو صفع القفا بباطن الكف ، تجعلنا أن نقف أمام لوحة كاريكاتورية متكاملة ، وتدفعنا إلى ردّ فعل إيجابي أمام هذه الصورة الغريبة . فالصورة في هذه اللوحة تتشكّل من الكلمات ، وتعتبر الألفاظ في الأسماع كالصورة في الأبصار ، وهذه الصورة تصاغ بها فكرة الشاعر الذي لا ينقلها كما هي