لا يمكن إلا بدقة الملاحظة والتأمل . إذ إن الصورة الكاريكاتورية صورة جزء مضخم كما ذكرنا سابقا ، ولا يكفي أن تكون مضحكة . فعلى سبيل المثال إنّ قول الحطيئة :
أبَتْ شَفَتايَ اليَومَ إلا تَكَلّما * بشرٍ فَلا أدْري لِمَنْ أنَا قَائلُ
أرَى لِي وَجْهاً شَوّه الله خَلْقَه * فقُبِّحَ من وَجه وقُبِّحَ حَامِلهْ
( 184 )
هو هجاء خالص لا يرسم فيه الشاعر صورة كاريكاتورية ولا يقترب من الكاريكاتور ؛ لأنّه لا يلجأ إلى أصول الهجاء الكاريكاتوري . فنلمس في البيت مقدرة الحطيئة على إثارة الضحك إلا أنّها ليست عن طريق التضخيم والتركيز على أيّ جزئية من الجزئيات ، وكلّ ما يريده أن يقدّم في هجائه هذا ، تمثيلًا لقبح وجهه في هذا الوصف المجرد عن الصورة الكاريكاتورية ، ثم توجيه الشتيمة للوجه وحامله . طبعا لا ننكر أنّ هذه الصورة تتمتع بالطرافة والغرابة وبما يُضحكنا أحيانا ، ولكنها لا تخرج عن كونها صورة لا دخل لها بفن الكاريكاتور . أما قول الحطيئة وهو يعابث أمه :
تَنَحي فأجْلِسِي مِنّا بعيدا * أرَاحَ الله منكِ العَالَمينا
أغِربالًا إذا اسْتُودِعْتِ سِرّاً * وكانوناً على المُتَحَدِّثينا
( 207 )
فنلاحظ فيه شيئاً من الاختلاط بين الهجاء والكاريكاتور ؛ لأنّ التمثيل ، والتضخيم في البيت الثاني مع اتصافه بروح الدعابة والسخرية يجعلنا نقف أمام البيت الثاني وقفة تأمل ، وإن غابت عنه الحركة الكاريكاتورية التي تكون من دعائم الكاريكاتور الشعرية . لأنّ « هذه الحركة ، تجعل الصورة حية حيوية ، ولا تتركها جامدة باردة . وربما تكون الحركة ، وإن كانت ساكنة ، ناشئة في كثير من الأحيان ، جرّاء التضخيم » ( سقيرق 5 ) ، وهو ما يلجأ إليه اليوم الرسامون الهزليون أو الكاريكاتوريون .
ولعلّ توقفنا عند بعض أبيات الهجاء لابن الرومي يعطينا مدخلا لفهم الهجاء الكاريكاتوري ، لأنها تعتمد على كثير من أصول الصورة الكاريكاتورية في الشعر . ومن هذه الأبيات قوله في وصف الأحدب :
قَصُرَتْ أخَادِعُه وَطَالَ قَذَالُه * فَكأنَّه مُتَرَبِّصٌ أنْ يُصْفَعَا