تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
تجسّدية في ذهن القارئ أو السامع يستطيع أن يتحسسها ويدرك محتوياتها . حيث إنّ أوّل ما يتصف به الهجاء الكاريكاتوري دلالته على صورة ذات بناء معماري غير متناسق ، وتلاعبه بالنسب والأوزان والأشكال . فالصورة في هذا اللون من الهجاء تظهر جزءاً من البناء بشكل مضخم مثير للضحك لا البناء كله .

2 - 3 - 1 الصورة ورسمها بالتضخيم في الهجاء الكاريكاتوري

كان التركيز في الصورة التي ترسم في الهجاء الكاريكاتوري علي الجزئيات من خلال طبيعة الكليات ؛ وهذا التركيز وعدم التناسق في أجزاء الصورة هو الذي يثير الضحك . فالهجاء بطبيعته يأتي للتقليل من قيمة المهجو ، وهذا التقليل والتحقير لا يتسنى حصوله للشاعر دون إلصاق الكثير من الصفات السيئة بالمهجو ، وهذه الصفات ترسم في الهجاء الكاريكاتوري من خلال تقاطيع الوجه وتعبيرات الجسد في شكل مختلف عن الواقع ومن طريق المبالغة مع الحفاظ على الشخصية والشبه في آن واحد للحصول على رد فعل عكسي كوميدي . فهذه الصورة المشوّهة المبالَغ فيها ، هي أهمّ ما يتميز به الهجاء الكاريكاتوري من بقية أنواع الهجاء ، حيث إنّ بقية أنواع الهجاء وإن كانت أشد إيلاما وأثرا من القتل ، ولكنّها لا تحتوي على شيء من التصوير الكاريكاتوري . ولعلّ قول جرير في بني نمير لخير دليل على ذلك ، إذ قال :
فَغُضَّ الطرفَ إنَّك من نمير * فَلا كَعباً بَلَغتَ ولا كِلابا
( 75 ) فلا شكَّ أنّ الهجاء في هذا البيت شديد الوقع والتأثير ، حتى قيل : « إذا قيل لرجل من نمير : ممن الرجل ، يقول : من نمير وأمال بها عنقه . فلمّا هجاهم جرير . . . صار إذا قيل لأحدهم ممن الرجل ، يقول : من بني عامر . وما لقيتْ قبيلة من العرب بهجو ، ما لقيت نمير بهجو جرير . . . » ( الأصفهاني 178 : 3 ) ، ولكن مع هذا الأثر اللاذع لبيت جرير ، فلا يوجد فيه شيء من التصوير الكاريكاتوري المتصف بالمبالغة والسخرية من خلال التركيز على بعض الأجزاء بشكل يثير المشاعر ويلفت الأنظار . وفي بعض الأحايين ، الافتراق بين ما هو كاريكاتوري ، وغير كاريكاتوري في الهجاء
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 88 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي