في الشعر كما نجد ذلك في النثر أيضا ، في ما خلفه لنا الجاحظ في كتابه البخلاء ورسائله كرسالة التربيع والتدوير ، ناهيك عمّا وجد بعض الباحثين جذوراً لفن الكاريكاتور أو الرسم الساخر في بعض الكتابات المتعلقة بالعصر العباسي ، مثل ما ذكره الأصفهاني : أنّ رجلا كان في البصرة يقال له حمدان الخرّاط اشتهر بتصوير الأشخاص والكتب ، وقد كلّفه الشاعر بشاربن برد أن يصور له طيرا على جام . فصوره الرسام ، لكن بشارا لم يعجبه الرسم فهدده بالهجاء ، فردّ عليه المصوّر بتهديد مماثل قائلا : سأصوّرك على باب داري بهيئتك هذه ومن خلفك قرد ، حتى يراك الصادر والوارد . فقال بشار : اللهم اخزه أنا أمازحه وهو يأبى إلا الجد ( انظر : 145 : 3 ) .
وعلى هذا فإنّ الهجاء الكاريكاتوري هو ذلك الهجاء الذي يتكوّن محتواه من الصور الكاريكاتورية ، وهو الفن الذي يكون قادرا على استبطان دوافع المرء ومشاعره ، لكن بشكل مهذب ولطيف ، ويستهدف التعبير والتعليق على الآراء والأفكار والأحداث والتطورات والقضايا على شتى المجالات ، ويقدمها بطريقة ساخرة يعمد فيها الشاعر إلى نقد هذا الواقع بشيء من الطرافة والمبالغة . والشاعر الكاريكاتوري هو فنان يشتغل بالكاريكاتور ، ويتميز بأنه حاد الذكاء وواسع الاطلاع ، ويتميز بموهبة خارقة في التصوير ونقل الوقائع والأحداث في قوالب هزلية ساخرة و « يعرف كيف يجسم الصورة ، وكيف يركبها ، وكيف يحشد جزئياتها وعناصرها ، فإذا هي تتحول إلى لوحة كبيرة كهذه اللوحات التي نراها في معارض الرسامين ، فلا نستطيع أن نخفي إعجابنا بها ، ولا سرورنا في أثناء رؤيتها » ( ضيف ، شوقي شاعر العصر الحديث 41 ) .
فالكاريكاتور والهجاء الكاريكاتوري كلاهما نتاج طبيعي للنفس البشرية وتفاعلاتها مع الواقع المحيط بالبشر ؛ حيث هناك أساليب شتى ومواقف عدة في مواجهة مواقف الحياة ، فنحن نرى البعض يواجهها بشجاعة وغيرهم يهرب منها بلباقة وقد يواجهها البعض بشيء من الجد ، وفقا لأهمية المشكلة أو الموقف الذي يواجهه ، كما يواجهها بعض آخر بشيء من الهزل أو بقليل من السخرية تخفف من وطأة الموقف أو تمحو أثره تماما . وفي ظل هذا الأمر
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 86
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٨٦