إنّ الأفكار الهجائية تعتبر بمنزلة جنين فن الكاريكاتور من جانب ، ومن جانب آخر يرتبط الكاريكاتور بالسخرية ارتباطا وثيقاً حتى أطلقت عليه تسمية « الفن الساخر » أو « الرسم الساخر » ، وعده البعض وجها آخر للسخرية والهجاء ( حمدان 3 ) ، لأنّه يحمل في ثناياه نقدا لاذعا للسلوك الإنساني المنحرف . وقد لاحظ أحمد عطية الله في كتابه سيكولوجية الضحك ، أنّ الهجاء في مجمله يشبه التصوير الكاريكاتوري ، فالهجاء يمسخ وصف الرجل بإبراز بعض عيوبه للعيون ، بحيث تخفي العيوب ما فيه من محاسن لشدة مبالغة الهجاء في تصوير هذه النقائص ( انظر : 68 ) . وإذا كان الكاريكاتور هو رسم يغالي في إبراز العيوب ، فالهجاء الساخر ، لون من التصوير الهزلي الساخر يمثل عيوب المهجوين الجسدية والمعنوية بالمبالغة ( انظر : ضيف ، العصر العباسي الثاني 429 ) ، ويمسخهم مسخا مزريا يقوم على تضخيم المساوئ بهدف التحقير والازدراء لهم والهزء بهم بحيث يجعلهم مشوّهين خارجين عن المألوف ؛ غير أنّ الكاريكاتور مقال تحلّ الخطوط فيه محل الكلمات ، فهو تعبير عن حدث أو فكرة باستخدام موهبة الرسم والتفكير المنطقي القادر على تحويل الأفكار إلى رموز مكتوبة بقصد تسليط الضوء على أمر مذموم ينبغي معالجته . فإذا أصبح فن الكاريكاتور لغة بحد ذاتها في غير حاجة إلى الكلمة التي تعكس المضمون الذي يريده رسامه ، فهناك شعراء فنانون رسموا صوراً كاريكاتورية بالألفاظ والمعاني ، وعبّروا عن طريقها عن المفاهيم التي يريدون إيصالها إلى القارئ . ولعل الشاعر في رأي برغسون في كتابه « الضحك » هو أكثر الأشخاص قدرة على أن يتحوّل إلى الرسام الكاريكاتوري ، فإذا جاز الشاعر العالم الذي يجعله مقيدا بالعواطف فحسب ، وترك ذهنه يبالغ في عالم خلق الصور الخيالية ، مع كونه دائم الاتصال بالحياة ، فإنّه سيتحوّل إلى ذلك الرسام الكاريكاتوري ( أنظر : 72 ) .
ولما كان هذا اللون من الهجاء في صياغته يشتمل على كثير من عناصر فن الكاريكاتور أو الرسم الساخر استوجب رغبتنا في اختيار تسميته بالهجاء الكاريكاتوري أكثر من التسميات الأخرى وخاصة أنّ بعض الباحثين وجدوا جذورفن الكاريكاتور العربي ابتداء في هجائيات عبيد بن الأبرص وانتهاء في هجائيات ابن الرومي والمتنبي اللاذعة في العصر العباسي ؛ هذا
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 85
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٨٥