تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
العصور الماضية بسبب التغيير الذي حدث في البيئة والحضارة ، وأصبح يتصل بكل النزعات الأدبية والعلمية والسياسية والاجتماعية بالإضافة إلى الأمور التقليدية ، فنشب فيه نزاع بين القديم والجديد ، بين العربي والشعوبي وبين المذاهب المختلفة ، كما أنّ الهجاء اعتمد على الفكر وتأثّر بالحضارة وبالتيارات المختلفة التي تعددت في هذا العصر ، وتناوله الشعراء بشيء من البسط والتحليل للأخلاق ، نتيجة لما اكتسبوه من الثقافات ، ولكن في جوانبها السلبية ، وقد تغلغلوا في النفس البشرية وكشفوا عن كوامنها . أمّا الشعراء فبتناولهم للفضائل والرذائل رسموا المثل التي ينبغي الإقبال عليها ، وإن كانوا في رسم هذه المثل قديسرفون في الهجاء المقذع ، كالهجاء في الأعراض ويميلون إلى التهتك والفحش في الألفاظ ، حتى ينزلوا في الحضيض ويعلقوا بما لا يعلق به شرف أو نبل أو رفعة . ز - الميل إلى الشعبية : إنّ الهجاء في العهد العباسي ، مال في كثير من الأحايين إلى الشعبية والهزل في أسلوبه وسهولة ألفاظه وبساطة تعابيره ، كما أنه تميّز بمقطوعات ومنظومات في بحور قصيرة ومجزوءة ؛ ومن هنا كان انتشار الهجاء وسرعة رواجه . ولعلّ في هجاء الشمقمق بشارا ما يدل على هذا النزوع الشعبي في أسلوب الهجاء ومن ذلك قوله :
هَلّلِيْنَهْ هَلَّلِيْنَهْ * طَعْنَ قِثَّاةٍ لِتِينَهْ إنَّ بَشارَ بْنَ بُرّدٍ * تَيْسٌ أعْمَى فِي سَفِينَهْ
( 93 ) و - الميل إلى السخرية اللاذعة : ظهر في العصر العباسي لون جديد من الشعر ، هو الشعر الفكاهي الذي ضم النوادر المضحكة ، والمعاني الفكهة . وقد هيأ لظهور هذا اللون الجديد جو المرح واللهو في هذا العصر ، وانتشار مجالس الأنس والسمر ، خاصة في قصور الخلفاء والولاة والأعيان ؛ حيث نرى اتجاه كثير من النفوس إلى الفكاهة بغرض التسلية ، كما نلاحظ في الشعر ظهور أساليب التندر والتهكم ، وتفنن الشعراء في صوغها ( انظر : أبو عيسى 170 ) ، متأثرين بأساليب جديدة في الحياة الزاخرة بالترف الذي هيأ الظروف لهذه الفكاهة . في هذا المحيط النشط المترف ظهرت السخرية التي كان اعتمادها على التقاط العيوب والمثالب ، وتصويرها بطريقة ساخرة ، وتنامت دوحة الأدب الساخر شعرا ونثرا . وهذا لا ينفى