شَاهَدْتُ فِي بَعْضِ مَا شَاهَدْتُ مُسمعة * كأنَّمَا يَومُهَا يَومَانِ فِي يَوْم
تظلُّ تُلْقِي عَلَى مَنْ ضَمَّ مَجْلِسُهَا * قَولًا ثَقِيلًا عَلَى الأسْمَاعِ كَالْلَّوْمِ
لَهَا غِنَاءٌ يُثِيبُ اللهُ سَامِعَهُ * ضِعْفَيْ ثَوَابِ صَلاة اللَّيْلِ وَالصَّوْمِ
ظَلَلْتُ أشْرَبُ بِالأَرْطَالِ لا طَرَباً * عَلَيْهِ ، بَلْ طَلَباً لِلسُّكْر وَالنَّوْمِ
( 301 : 5 )
فصوتها يبعث على النّفور ، ويجلب الملل والضّجر ، كأنّما تقرع السامعين أو تلومهم ، بدلا من إطرابهم وإمتاعهم ، ولذلك فهم يستحقون على صبرهم أمام هذا الصوت ضعف ثواب قيام اللّيل ، وثواب مكابدة الصوم ، ثمّ يبالغ بعد ذلك في تناول الشراب ليغيب عن الوعي ، هربا من صوتها القبيح .
ر - التأثر بالحضارة الجديدة والاعتماد على العقل : في دراسة خصائص الهجاء في العصر العباسي ينبغي ألا نغفل عن أثر تيار الحركة العقلية في تطور الشعر عامة والهجاء خاصة ، إذ نضجت العلوم ، ورسخت مناهج البحث فيها ، وكثرت المؤلفات في علوم الدين عقيدة وشريعة ، فضلا عن المؤلفات اللغوية والنحوية ، وكتب الأدب الخاص ، ودواوين الشعراء . وكان من الطبيعي أن يتحقق للشعر تطور كبير في أغراضه وأفكاره وفي شكله الفني ، وزنا وقافية ولغة ، نتيجة لاتّساع جوانب التجربة العقلية عن طريق الترجمة والاختلاط بأجناس بشرية مختلفة وتطور المعارف الدينية واللغوية والأدبية ، واتساع حركة التأليف ، وظهور المعارف الفلسفية . وقد تبدت مظاهر التطور الشعري في الأغراض والمعاني ، والوزن ، والقافية ، وبناء القصيدة ، واللغة . هناك أغراض بقيت على ما كانت عليه ، مع شيء من التجديد في بعض عناصرها ، كما نراه في المديح والهجاء ، وأغراض استحدثت وتفرعت عن الموضوعات القديمة لتصبح موضوعات جديدة ، ومنها : الشعر التعليمي ، الزهد والتصوف ، الفكاهة ، وشعر التهاني الذي تحول إليه شعر المديح في بعض جوانبه ، وخاصة التهاني بأعياد النيروز والمهرجان ؛ ووصف المدن والمنشآت العمرانية والطبيعة مستقلا عن المديح وكذلك وصف الأطعمة وألوانها الحضارية الجديدة .
أمّا الهجاء كغرض شعري فقد وقع عليه شيء من التجديد فاختلف عما كان عليه في