وَإذَا جَلَسْتَ أذَى خُشَامُ - * - كَ مَنْ يَضمّ المْجْلسُ
وإذا نَهَضْتَ كَبَا بِوَجْهِ - * - كَ لِلْجَبينِ المَعْطِسُ
فَالأنْفُ مِنْكَ لِعُظْمه * أبداً لِرأسِكَ يَعْكِسُ
حَتَى يَظُنُّ النَّاسُ أنَّكَ * فِي التُرابِ تَفَرَّسُ
إنْ كانَ أنْفُكَ هكَذَا * فَالْفِيلُ عِنْدَكَ أفْطَسُ
وإذا جَلَسْتَ عَلَى الطَّرِي - * - قِ وَلا أرَى لَكَ تَجلِسُ
قِيلَ : السَّلامُ عَلَيْكُمَا * فَتجيبُ أنْتَ ويَخْرسُ
( 278 : 3 - 279 )
فالهجاء الكاريكاتوري يعتبر طريقة تعبيرية متطورة لنقد الأوضاع الفردية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهو بذلك محاولة إلى تجاوز ما هو أفضل وذلك بالإصلاح والتغيير وكشف الزيف ومواجهه التشوه . وهذا اللون من الهجاء هو جانب طريف عند بعض شعراء الهجاء في العصرالعباسي سنعالجه في الفصول القادمة ، والمهم الآن معرفة أن هؤلاء الشعراء الساخرين وعلى رأسهم ابن الرومي استطاعوا أن ينمو الهجاء في الجانب الساخر إلى ذروة لم يصل إليها الشعر العربي لا قبلها ولا بعدها .
فإننا انتهينا من الاطلاع على الهجاء وتطوره حتى العصر العباسي إلى أنّ فن الهجاء لم يعرف روّادا وأعلاماً في الشعر الجاهلي وكانت معانيه أقل المعاني نضجا بالنسبة إلى معاني سائر الفنون الشعرية ، فاعتمد على القيم الخُلقية وابتعد عن الفحش والإقذاع المعنوي ، ولم يكن وليد الشعور العام بالهزيمة والفشل في الحياة ، بينما أنّ مستوى هذه القيم قد ضعف في العصور التالية ولا سيما في العصر الأموي والعباسي ، حيث إنّ شعراء هذين العصرين تفتقوا بكل معنى مقذع أباحي ، كما أنّ شعرهم الهجائي قد تولّد بعد أن تفاعلوا مع أحوال الكراهية والمقت والعاهة ، فلهذا نرى أنّ معظم الهجائين في الأدب العربي كانوا في العصور التي جاءت بعد العصر الجاهلي ولاسيّما في العصر العباسي ، من الذين أصيبوا بعاهة عظيمة في نفوسهم أو في أجسادهم أو في كيانهم الاجتماعي ، مثل : الحطيئة ، وبشار بن برد ، ودعبل الخزاعي ، وابن الرومي ، وغيرهم .