العيوب ، كما يركّز عليه رسامو فن الكاريكاتور ؛ فالشاعر يرسم شخصية المهجو المعنوية والحسية رسما كاريكاتوريا يبعث على الضحك ، ويركّز على رسم المساوئ الفردية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يجب على المجتمع التخلص منها ، كما يستعين في هذا النوع من الهجاء بكل معارف عصره ، وبجميع عناصر السخرية والهزل الشائعة بين الناس . فهذه الصورة الشعرية الساخرة تشكل الأساس الرئيسي لمدرسة الصورة الشعرية الساخرة التي ازدهرت عند ابن الرومي بحيث عرفت به ونسبت إليه ، وإن كان الفضل الكبير في أصلها يرجع إلي شعراء ما قبله من مثل بشار بن برد ، ودعبل الخزاعي وأبي نواس وإلى شعراء جاؤوا من بعده مثل : المتنبي وغيرهم ، ومنهم منصور الأصفهاني الذي قال في هجاء رجل اسمه المغيرة :
وَجْهُ الْمُغَيْرَةِ كُلُّهُ أنْفُ * مُوْفٍ عَلَيْهِ كَأنَّهُ سَقْفُ
رَجُلٌ كَوَجْهِ البَغْلِ طَلْعَتُهُ * مَا يَنْقَضِي مِنْ قُبْحِهِ الْوَصْفُ
مِنْ حَيْثُ مَا تَأتِيه تُبْصِرُهُ * مِنْ أجْلِ ذَاكَ أمامَهُ خَلْفُ
( سراج الدين 71 )
ومن هنا شهد العصر العباسي قفزة أسلوبية في الهجاء تعالج الفرد والمجتمع وقضاياه السياسية والاجتماعية والثقافية من خلال مسخ المهجو في صورة كاريكاتورية ، تبالغ في إبراز بعض عيوبه التي تخفى ما فيه من محاسن لشدة المبالغة ، بما تحمل من سموم الانتقاص والسخرية المريرة . وكانت للشعراء الذين يتناولون هذا اللون من الهجاء « حاسة تلتقط العيوب الجسدية وتستطيع تكبيرها على نحو ما يصنع أصحاب الصور الكاريكاتورية الهزلية ، فإنهم يعرفون كيف يستغلون دقائق العيوب في الوجوه والأجسام » ( ضيف ، العصر العباسي الثاني 212 ) فتستحيل مقطوعات وقصائد كثيرة في ديوان هؤلاء الشعراء إلى صور ساخرة من مهجويهم . ولعل قول ابن الرومي الشاعر الرسام الساخر ، الهجّاء الفنان في وصف رجل كبير الأنف ، لخير دليل على اقتراب هذا اللون من الهجاء بالرسوم الكاريكاتورية في عصرنا الحاضر :
لَوْ أنَّ إبْلِيساً رَآ * كَ لَكَانَ ذعرا يُبْلَسُ