وجود بعض الأبيات الساخرة قبل العصر العباسي ، إذ نرى هذه السخرية عند الشعراء الماضيين كالحطيئة وجرير وغيرهما لكن في حدود ضيقة ، وعلى الرغم من ذلك « فأنّ ظاهرة السخرية وانتشارها في أدبنا العربي لم تبدأ بوضوح إلا ببداية المرحلة العباسية » ( عودة عيسى 4 ) ، وهي ظاهرة نراها بوضوح عند كتاب ذلك العصر . وإذا كان ابن المقفع قد سخر وتفكّه بالعرب وببعض الشخصيات في عصره بشكل خفي ، خشية بطشهم به ، فإنّ الجاحظ فتح باب الأدب الساخر في كثير من رسائله وكتبه ، كرسالة « التربيع والتدوير » ، التي رسم فيها صورا مضحكة لأحمد بن عبد الوهاب ، وكتابه القيم « البيان والتبيين » الذي دوّن فيه ، بشكل موسوعي ، كثيرا من القصص الساخر للكثير من الشخصيات والنماذج النمطية والحقيقية ، سواء كانت شخصيات حمقى ومغفلين ، أو بخلاء وطفيليين ، أو علماء ونحاة وفقهاء ، أو غيرهم ، وكتابه « البخلاء » الذي حوى كثيرا من قصص البخلاء الساخر في عصره بأسلوب الازدواج القائم على توازن العبارات دون سجع .
وكذلك ظهر كثير من الشعراء الساخرين ابتداء من بشار بن برد حتى أبي العلاء في القرن الخامس ، مرورا بأبي نواس وابن الرومي وغيرهما ( انظر : العشماوي ، خمريات أبي نواس 170 ) ، وبرعوا في رسم صور شعرية ساخرة لخصومهم أشاعت جواً من المرح والهزل بين الجمهور . فلا شكّ أنّ هذه السخرية قدكانت تلتقي مع الهجاء عند هؤلاء الشعراء من ناحية الوظيفة وإن كانا يفترقان من ناحية المادة أو الطبيعة التي يشتمل عليها كل منهما . « فالهجاء طريقة مباشرة في الهجوم على العدو ، ولكن السخرية طريقة غير مباشرة في الهجوم » ( طه نعمان 10 ) .
ه - النزعة الكاريكاتورية : برزت في شعر العصر العباسي ظاهرة جديدة من امتزاج الهجاء والسخرية هي انبثاق الهجاء الساخر . إذ يعتبر التطور الفني الذي لحق الهجاء - ولعله أبرز انعطاف طرأ على الهجاء في العصر العباسي - يستهدف إضحاك الناس من المهجو وسخريتهم منه عن طريق الغلو في تجسيم العيوب ، فقد تحولت قصيدة الهجاء إلى لوحات كاريكاتورية تشيع فيها السخرية الشديدة وروح الفكاهة المضحكة ، إذ تميل إلى إظهار
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 74
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٧٤