دعبل بن علي الخزاعي الذي لم يتورع عن هجاء الرشيد والمأمون والمعتصم والواثق . وقد قرن الخليفتين الأخيرين معا في قوله :
خليفةٌ مَاتَ لَمْ يَحْزُنْ لَهُ أحَدٌ * وآخرٌ قَامَ لم يَفْرَحْ بِهِ أحَدُ
( 83 )
وكثيرا ما كان الشعراء يخصون الوزراء بالهجاء حين يحرمونهم الجائزة ، وخاصة لمّا انتكست الوزارة وكثرت الرشوة وعمّ الفساد في الحكم وعمّت مصادرة الأموال وعمّ معه الظلم . من مثل قول بعضهم في هجاء الوزير الخاقاني :
لِلْدَوَاوِينِ - مُذْ وليتَ عَوِيلُ * وَلِمَالِ الْخَرَاج سُقْمٌ طَوِيلُ
يتلقى الخُطُوبَ حِينَ ألمَّت * مِنْكَ رَأيٌ غث وعقلٌ ضئيلُ
إنْ سَمِنْتُمْ مِنَ الْخِيَانَةِ وَالجَوْ * ر فَلِلارْتِفَاعِ جِسْمٌ نَحِيلُ
( الفخري 198 )
وقيل إن الخاقاني كان معروفا بسوء السيرة والتدبير ، وأخذ الرشوة ممن يولِّيهم الأعمال ، ولذلك كثرت في أيامه الولاية والعزل ، وأصبحت الدولة دولة لصوص وقطاع طرق ( انظر : ضيف ، العصر العباسي الثاني 430 ) .
د - تنوع الموضوعات : تنوّعت أنماط الهجاء تبعا لتعدد أوجه الحياة في المجتمع العباسي المتحضر ، وافتنّ الشعراء في هذا الغرض تبعا لتشابك العلاقات الاجتماعية في ذلك العصر ، ونشأت اتجاهات جديدة في الهجاء ، كالاتهام بالخَنَث وهجاء المغنين وهجاء المدن وهجاء العرب وهجاء العجم وهجاء رجال الدين والهجاء الذي ينتقد المجتمع بأسلوب فلسفي ، وإن لم يبرأ من المبالغة في إسباغ الصفات السلبية والمثالب الجسمية والعيوب المعنوية . فمثلا ابن الرومي الذي عاش في عصر اكتظ بالمغنين والمغنيات والجواري والقيان مثل : « جلنار » و « بستاق » و « بدعة » و « شاجي » و « دريرة » و « غناء » و « ظلوم » و « وحيد » وغيرهن من مطربات مجالس الولاة والوزراء ، تعرض في شعره لهؤلاء وغيرهن ، كما تعرض لمعاصره البحتري وسواه ، وكان طبيعيا أن يمدح بعضهن إعجابا بأصواتهن وأن يهجو أخريات لم يجد في غنائهن ما يروقه . وهاجم في هجائه مغنية اسمها كُنَيزة في غير مقطوعة ، وأشار إلى قبح صوتها ، وسوء أدائها ، ومنه قوله :