تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
تبعا لذلك فقد اتخذ الهجاء طابعا آخر ، إذ حدث تطور واسع في الحياة ، وخفتت فيها نزعة تحقير الخصم بسبب وضاعة أصله ونسبه ، ولم تعد للأنساب تلك الأهمية البالغة التي كانت في سالف العهد بعد خمود حدة العصبيات القبلية وانصهار أكثر القبائل في المجتمع المتحضر الحديث . فالعصبية القبلية قد ضعفت لتحل محلها العصبية القومية التي خلّفت ما سمي في الأدب العربي بالشعوبية ، كما ظهر من خلال هذا التيار نوع من الهجاء للجنس العربي ، اختلف بين الوضوح والخفاء وتمثل في شعر بعض الشعراء مثل بشار بن برد وأبي نواس ، وأبان اللاحقي ، لكي يعكس مطاعنهم التي وجهوها إلى العرب ( انظر : الجاحظ ، البيان والتبيين 125 : 3 - 124 ) وتطاولهم عليهم والحط من قدرهم بأسلوب ساخر على نحو ما نجد في قول بشار بن برد في قصيدته بهذا المطلع :
هَلْ مِنْ رَسُول مُخْبِر * عَنِي جَمِيعَ العَرَب
( 342 : 1 ) وهذه القصيدة تصوّر حقده العنيف على العرب وفيها يقارن بين بداوتهم الجافية وحضارة آبائه اللينة من الفرس والروم . وكما وضح تيار الشعوبية في أهاجي هذا العصر ، فلقد وضحت الزندقة التي نجمت عن الامتزاج بشعوب وديانات شتى ، كالمانوية والمزدكية والزرادشتية - أيضا في الهجاء ، فكانت من التهم التي يوصم المهجو بها في أشعار الهجاء ، كما كان يفعل حماد عجرد في اتهام بشار بالزندقة . ب - تضاؤله في طريق النقائض وجنوحه إلى التهاجي المنبعث من الأحقاد الفردية : خبت نار العصبيات القبلية في العصر العباسي وتبعا لذلك خبت نار النقائض التي كانت مشتعلة في العصر الأموي . ولا يعني هذا أنّ الهجاء انطفأ لهيبه في هذا العصر ، بل لقد تعالت نيرانه وكثرت وتنوعت موضوعاته واختلفت اتجاهاته . وكان الكثير منه شخصيا وراءه الحقد والغضب والحسد والانتقام ، وتركّز في إبراز المعايب الشخصية اللاصقة بذات المهجو وما تنطوي عليه نفسه من مثالب . وهذا المنحى أدخل في رحاب التصوير والفن كما سنراه فيما بعد في دراسة الهجاء الكاريكاتوري . ومن ذلك هجاء حماد عجرد لبشار بن برد :