تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨

1 - 3 - 4 - 1 الهجاء في العصر العباسي

لا شكّ أننا نشهد في العصر العباسي بقايا من الهجاء القديم الذي يلم بنقائص الأصل والجبن والبخل وعورات الشرف وما إلى ذلك مما أسلفنا الحديث عنه ، إلا أنّ للهجاء في هذا العصر وجوهاً وميزات أخرى توضح لنا أنّ صوره ومعانيه تكاد تختلف اختلافا تاما عن صوره في العصور الجاهلية والإسلامية والأموية وعن معانيه الكلاسيكية المرذولة التي كان الشعراء يرتزقون بها في هذه العصور ، فأصبحت معاني الهجاء في هذا العصر تنحصر في نقيض الفضائل الأربع التي هي : العقل والعفة والعدل والشجاعة وما يشتق من هذه الفضائل ؛ لأنّ معانيه قد أصابها التغيير بسبب تطور المجتمع ، فهي وليدة تأمل وتحديق وانصباب في شاعر يرى أنّ الشعر متعة في ذاته وأنّه لا يغتبط ولا يجد نفسه إلا بقدر ما يراوده ويتمرس به . فاتجه الشعراء في هذا العصر بالهجاء وجهات جديدة تبعا لتعدد أنواعه ودوافعه وأغراضه ، فجاء هجاؤهم مشبعا بنفسيتهم وبروح العصر الذي عاشوا فيه ، إذ إنّه انعكاس للمصائب التي توالت عليهم ، أو صدر عن نقمتهم على الحياة والقدر وعن معاناتهم الفشل ولاسيّما عندما تضاعفت معاناتهم وازدوجت بنجاح الآخرين ممّن لا فضيلة لهم أو كفاءة لديهم ، أو صدى لشكواهم من عدم التكافؤ الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في عصرهم المختل المقاييس ، أو نعيهم الفساد السياسي ومدى اغتصاب الخلفاء وموظفيهم للسلطة وعجزهم عن التمرس بها والاضطلاع بمهامها . فهجاؤهم في كثير من الأحيان جاء متّسما بالسخرية التي نستشفها خلال رسم الصور المضحكة التي هي أشدّ إيلاما من الأهاجي الناقمة التي تظهر في الفحش والإقذاع خالية من أيّة فضيلة أخلاقية .

1 - 3 - 4 - 2 مقوّمات الهجاء في العصر العباسي

أ - انحرافه عن العصبية القبلية إلى العصبية القومية : إنّ شعر الهجاء المنبعث عن العصبيات القبلية انحسرت أهميته في العصر العباسي بسبب ضعف الأحزاب والعصبيات القبلية ، حتى كاد يتلاشى ، إلا بقية قليلة تمثلت في نقائض ابن قنبر ومسلم بن الوليد ، كما تمثلت في نقائض دعبل وأبي سعد المخزومي ( انظر : ضيف ، العصر العباسي الأول 359 ) ، و