انظر : عبد الحليم 15 - 29 ) . فاتّسع مجال القول على صعيد الشعر والنثر في أدب العصر العباسي ، تبعا لاتساع مناحي الحياة وتشعّبها في هذا الطور المتألق من حضارة المسلمين . فتكاثرت الموضوعات التي تناولها الشعراء فضلا عن الأغراض الشعرية التي نظموا فيها ؛ كما أنّ العربية قد أصبحت اللغة الرسمية في البلدان الخاضعة لسيطرة المسلمين ، وكانت لغة العلم والأدب والفلسفة والدين لدى جميع الشعوب ، وقد كتب النتاج بمجمله في اللغة العربية ، مع أنّ قسما كبيرا من أصحابه ليسوا من العرب .
من جانب آخر كانت الظروف ملائمة لتدفّق العطاء وتفجّر الإبداع ، إذ كان من المعهود أن يولي الخلفاء كل اهتمامهم ويحرصوا على تشجيع ذوي المواهب ، يعينهم على ذلك ثراء كبير يجمع في خزائنهم من موارد البلاد الواسعة . ولمّا كان الأدباء يمثلون أجهزة الدعاية والإعلام بالنسبة إلى كل صاحب دعوة أو منافس على السلطة ، فكان من الطبيعي أن يقربهم الخلفاء إليهم ، ويمنحوهم الجوائز السخية ، ويولوهم المناصب الرفيعة ، بل إنّ من الخلفاء أنفسهم من كان معروفا بميله إلى الأدب وحبّه للعلم مثل المهدي والرشيد ، والمأمون ، والمعتصم والمتوكل . كذلك سار أمراء بني العباس وولاتهم ووزرائهم على غرار خلفائهم ، فكان لكل منهم بلاط يقارب بلاط الخليفة أو يضارعه ، من مثل ما كان لآل برمك ، وطاهر بن الحسين ، وعبد الله بن طاهر ، ثم الصاحب بن عبّاد وابن العميد وعضد الدولة والمهابي وسيف الدولة الحمداني ( أنظر : ضيف ، العصر العباسي الأول 98 - 117 ) . وكان طبيعيا في غمار ازدهار الحياة الاقتصادية وتطوّر الحياة الاجتماعية ، مع ميل الخلفاء إلى الترف وحب الإطراء أن يزدهر شعر المدح ، فأقبل الشعراء يمجدون الخليفة والأمراء وأصحاب النفوذ ، مقابل العطايا السنية وهذا ما جعل الشعراء يحلمون بالثروات الطائلة ، فيقصدون بغداد والعواصم الأخرى للإقامة في جوار القصور ، وأدّى ذلك إلى تنافس الأدباء والشعراء ، ليحظوا بالمكانة الرفيعة عند الخلفاء والوزراء ، فقوى الهجاء بدافع تحاسدهم ، وإلحافهم في طلب الجوائز ، واضطرم كما اضطرم المديح ، وأدّاهم هذا التنافس إلى أن يتبادلوا الهجاء ويريشوا كثيرا من سهامه ، ولم يكد يترك الشعراء خليفة ولا وزيرا ولا قاضيا ولا عالما ولا مغنيا إلا هجوهم هجاء مرّا .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 67
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٦٧