ألَيْسَ غُلامٌ بَيْنَ كسْرَى وَظَالِمٍ * بِأكْرَم منْ نِيطَتْ عَلَيْهِ التَّمَائِمُ
( نفس المصدر 262 : 2 )
فكان الهجاء عند هذه الطائفة سلاحا مرهوبا يخشاه الناس ويتّقونه بإكرامهم ومداراتهم ، فبذلك حقّق لهم ما طمحوا إليه من مكانة .
هكذا ظهر في هذا العصر لون من الهجاء وهو الهجاء الشعوبي الذي قام برد مظاهر الاستعلاء والتفاخر العربي وأتاح فرصة لطبقة من المستضعفين المغلوبين الذين قضى عليهم التعصب المتطرف أن يعيشوا مستعبدين مهضومي الحقوق ، التسلح به للدفاع عن حضارتهم العريقة الفارسية في بطء وتصميم ، حتى أتيح لهم الظفر الكامل ، فقوضوا ملك الأمويين ، وأقاموا على أنقاضه دولة عربية المظهر ، فارسية الروح والصميم .
1 - 3 - 4 العصر العباسي والظروف المؤدية إلى ازدهار الأدب والهجاء
لا شك أنّ أسلوب الأمويين في الحكم ، كإحياء العصبيات القبلية ، وتبديل ولاية المسلمين من الخلافة إلى الملك ، وإشاعة التحلل الخلقي ، وسياسة التمييز بين العرب وغيرهم ، والأرستقراطية القرشية التي مارستها هذه الدولة ، ثم المصائب التي أنزلتها على أهل البيت ( ع ) وأتباعهم ، أدّى إلى إثارة روح النقمة على الأمويين وإلى ظهور الثورات المتلاحقة التي كانت تنشب في وجههم وتنازعهم الحكم ، ولا سيما ثورات الشيعة والخوارج والزبيريين . . . ، ثم كانت ثورة العباسيين 123 ه - / 750 م ، آخر حلقة في سلسلة تلك الثورات التي أنهكت دولة بني أمية وآلت إلى القضاء عليها .
وما من ريب في أنّ الاستقرار السياسي في العصر العباسي ، ولا سيما بعد انقضاء طور الفتوح والقضاء على الفتن ، قد ساعد على الالتفات إلى شؤون الأدب والعلم وقضايا الفلسفة والفكر . فوصلت الحياة الفكرية إلى ذروة التطور والازدهار وعرف العصر حركات ثقافية مهمة وتيارات فكرية بفضل الامتزاج القوي بين العرب وغيرهم من الأمم ، مما تولّد عنه جيل جديد متميز بصفات عقلية ونفسية جديدة . وكان للرقي الحضاري الذي وصلت إليه الحياة في هذا العصر ونقل التراث اليوناني والفارسي والهندي وإقبال العرب على الثقافات المتنوعة أبعد الأثر في الإنتاج الأدبي شعرا ونثرا على اختلاف فنونه ، وما لحقه من خصائص وتطورات (