تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
اهتمامه في هجائه تناول المعاني القريبة الفهم لكي يساير جريرا في الإطالة والدعابة . قيل إنّ النقائض بسبب الظروف التي أحاطت بها ودعت إلى إنشائها لها أغراض محدودة . « فهي شعر شخصي ، محوره الفرد ، لا يكاد يسمو إلى الحياة في أفقها الواسع العام ، ولا يكاد يتصل بالنفس البشرية ، يصورها في أطوارها المختلفة ، وحالاتها المتباينة » ( محمد حسين ، الهجاء والهجاءون في صدر الإسلام 158 ) . ففخر الشاعر بنفسه وبقبيلته يصور غرورالشاعر ، كما أنّ هجومه على الخصم أكثر من أن يكون دليلًا على البغض والغيظ يكون ناجما عن المباراة الأدبية التي تجتذب هواة اللغة والمختصين من دارسين الأدب والعلماء ، وهذا ما يقرب النقائض إلى الخصوص والضيق ويبعدها عن العموم والشمول ، وما يوضح لنا التباين الكبير بينها وبين الهجاء في العصر العباسي الذي سنتطرق إليه فيمابعد . ومع ذلك كله ، فقد احتلّت النقائض مكانتها الخاصة في الهجاء ، فلها قيمة عظيمة في الأدب العربي ؛ وهذه القيمة ترجع إلى أسباب كثيرة . فالنقائض قد تكون سجلا صادقا لأنساب العرب وتاريخهم ولها قيمة خاصة لما عرضت أو أشارت إليه من أيام العرب تفصيلا قصصيا رائعا . كما رسمت حياتهم في هذه العصور البائدة بخيرها وشرها وصوّرت قيمهم الخلقية والاجتماعية تصويرا قويا دقيقا . هذا من جانب ، ومن جانب آخر فشعراؤهم الثلاثة هم أبرز الشعراء في عصرهم بغير شك وشعرهم يمثل الناحية الأدبية فيه بنوع خاص ، حتى قيل عن شعرالفرزدق : « لولا شعره لذهب ثلث العربية » ( الأصفهاني 48 : 10 ) ، ولهم في كل باب من الشعر أبيات سائرة ، هي الغاية التي يضرب بها المثل . من ذلك قول جرير في الفخر :
إذا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنُوتَمِيمٍ * حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضَابَا
( 77 ) وقوله في مدح عبد الملك بن مروان :
ألَسْتُم خَيرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطايَا * وَأنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ
( 93 ) وقوله في هجاء الراعي النميري :
فَغُضَّ الطَرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيرٍ * فَلا كَعْبا بَلغْتَ وَلا كِلابَا
( 75 ) والكثير من الأبيات التي ليس محلّها هذا البحث .