لأمِيرِنَا وَأمِيرِ شُرْطَتِنَا معاً * يَا قَوْمَنَا لِكِلَيْهِمَا رِجْلانِ
فبعث الأمير إليه بمائتي درهم وسأله أن يكف عنه » ( الأصفهاني 398 : 2 ) .
وقد نرى لونا آخر من الهجاء قد نشأ على يد هؤلاء الهجائين المحترفين وهو خفيف الروح سهل الألفاظ معتمد على الصورة الهزلية المضحكة ، لا يتجاوز البيتين أو الثلاثة ، ولكنه لاذع رغم قلة أبياته . ومن الأمثلة على ذلك قول الفرزدق في هجاء رجل يتهمه بالبخل :
لَوْ أنَّ قِدْراً بَكَت مِنْ طُولِ مَا حُبِسَتْ * عَنِ الحُفُوفِ بَكَتْ قِدْرُ ابْنِ جيَّارِ
مَا مَسَّهَا دَسَمٌ مُذْ فُضَّ مَعْدِنُهَا * وَلا رَأتْ بَعْدَ عَهْدِ القَيْنِ مِنْ نَارِ
( 358 : 1 )
ولعلّ هذا اللون من الهجاء هو الذي سهل الطريق لازدهار النقائض في هذا العصر وإقبال الناس عليها ، تلك المعارك الشعرية التي دارت رحاها بين عدد من الشعراء وكانت ريادته في شعراء العصر الثلاثة : جرير والفرزدق ، والأخطل ، وتعتبر نقائضهم أشهر ما عرف الأدب العربي في هذا الفن وأطوله . كما دخل بينهم عدد كبير من الشعراء ، عددهم تسعة عشر شاعرا معروفا على حد قول صاحب الأغاني ( الأصفهاني 19 : 8 - 32 ) . فهذا اللون من الهجاء مباراة أدبية ، ولم يكن ناجما عن عداوة على الأغلب ، إلا بمقدار ما يوجد بين المتنافسين من الغلبة ، حيث يتّجه شاعر إلى آخر بقصيدة هاجيا ، فيعمد الآخر إلى الرد عليه بشعر مثله ، هاجيا ملتزما البحر والقافية والرويّ الذي اختاره الشاعر الأول . وهكذا نرى في نقيضتين وحدة الموضوع ، ووحدة البحر الذي يجمع بين النقيضتين ويجذب إليه الشاعر الثاني بعد أن يختاره الشاعر الأول ، وكذلك وحدة الروي ، لأنّه النهاية الموسيقية المتكررة للقصيدة الأولى ، وكأنّ الشاعر الثاني يجاري الشاعر الأول في ميدانه وبأسلحته ، حتى تظهر مزية السبق لأحدهما على الآخر . « والظاهر أنّ الإجابة من نفس البحر والروي كانت قاعدة مقررة في الموازنة بين شعر الشعراء . فقد كان النقاد منذ عصر امرئ القيس ، إذا أرادوا أن يوازنوا بين شاعرين ، وازنوا بينهما في شعر متحد في الغرض وفي الوزن والقافية » ( محمد حسين ، الهجاء والهجاءون في صدر الإسلام 140 ) . فنجد في أكثرالنقائض الفخر يقابله فخر ، والحوار يقابله حوار والصورة تقابله صورة ، والفحش يقابله فحش مثله .