1 - 3 - 3 - 2 - 1 مقوّمات النقائض
إنّ مهارة شعراء الهجاء عامة والنقائض خاصة تتركز في إدراكهم للنقائص البارزة في خصومهم وقدرتهم على الافتنان في استخراج ألوان الدعابة وخلق الصور الساخرة التي تجذب الآخرين . فليس من الصعب رؤية هذا الأمر في النقائض وخاصة في شعر روّاده . فجرير يركز في هجاء الأخطل على نصرانيته والصليب والجزية المفروضة على أهل الذمة وشرب الخمر . وهجاؤه للفرزدق يدور حول ما يزعم من أنّ أجداده كانوا يحترفون الحدادة ، كما كانت مهارة الفرزدق في هجائه لجرير في تركيزه على فقر الشاعر واصطناع قومه الحمر في تنقّلهم وهو دليل على الذلة والهوان ، لأنّ السادة يركبون الخيل والإبل .
ومن الخصائص التي تتميز بها النقائض تكرار المعاني والفخر الكثير بالمقدرة الشعرية . فالتكرار نتيجة طبيعية للإكثار . لأنّ شعراءها لا يرضون أن يسكتوا ويُغلبوا أمام خصومهم ، فعليهم أن يردّوا ، وإذا طال بينهم الأمر فلا بدّ لهم أن يكرروا ما قالوا ويعيدوا ما أبدأوا . واضطرارهم إلى الإعادة والتكرار قد ساقهم إلى الافتنان في المعاني التي كانت في متناول أفكارهم وإخراجها في الصور والأساليب المختلفة حتى تؤدي إلى ولادة لون طريف من الأسلوب القصصي الذي ابتدعه شعراؤها ومنهم جرير والفرزدق ، ويدور على الحوار الفكه والدعابة المضحكة . فإضافة إلى الملكة الشعرية الخصبة التي تنمّ عنها أشعارهم نري في قصصهما الهجائي استخراج الصور ، ودقة في التصوير وتسلسلا في الحوار ، فليس من البعيد أن نعتبر هذا الأسلوب كأحد الأسباب التي أدّت إلى إقبال الناس على النقائض بالرغم من إمعانها في الفحش البذيء الذي تنفر منه كل نفس نظيفة الفطرة .
ومن أهم الخصائص التي تسترعى الانتباه في النقائض هو الابتذال في المعاني والألفاظ والأخلاق ، حتى ليتخيل إلى القارئ أنّ هذه الأشعار لا تصدر عن أدنى جهد فني ؛ لأنّ الألفاظ في أكثر المواضع سباب عامي مبتذل لا يفرق عن الشتائم السوقية ، والمعاني لا تتصف بالخيال الشعري والحس الفني الرقيق ، بل هي صورة من الحياة الواقعة ، وفي كثير من الأحيان سرد يفيد أصحاب التاريخ أو منظومة تشبه المتون التي وضعت في عصور متأخرة