تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
لحفظ العلوم .

1 - 3 - 3 - 2 - 2 مكانة النقائض في فن الهجاء

كما أسلفنا أنّ الدافع الأول إلى إنشاء النقائض هو المباراة الأدبية ، ولم يكن القصد إلى الهجاء هو الدافع الأساسي في إنشادها ، وهي ليست هجاء خالصا في كثير من الأحيان ، بل إنّها تتوزّع على أغراض مختلفة كالفخر والمدح والنسيب والوصف ، فلذلك لا نستطيع أن نزعم أنّ فن الهجاء في النقائض بلغ إلى ذروته كما نراه فيما بعد في العصر العباسي ، لأنّ هم الشاعر الأول الإبداع والتفوق في فنه ، وهذا ما يكلفه الرد على خصمه بقصيدة من نفس البحر والروي والغرض ، واختيار نفس السلاح الذي اختاره خصمه وأراد أن يباري به ، وهو تكليف يضيق عليه السبيل حتى لا يستطيع أن يتفنن بالهجاء في النيل من خصمه . وهذا لا يعني أننا لا نجد أي تباين في هذه النقائض ، بل هناك طرق مختلفة في معالجة الشعراء للهجاء ؛ فمثلا نجد أنّ هجاء الأخطل غلب عليه الفن الشعري والألفاظ الرصينة والمعاني الرفيعة وقلّ فيه الحقد والغضب على الخصوم ، فهو يعتني بالألفاظ ويدقق في اختيار العبارات والمعاني ، ثم إنّ عدم سقوطه في السباب واتصاف هجائه بكثير من الوقار جعله شاعر الخاصة وحرمه شعره الهجائي روح الدعابة التي تجذب جمهور الناس الذين لا يعنيهم من الهجاء إلا السخرية البارعة المسلية . أمّا جرير فقد غلب على هجائه مرحه ودعابته ، فكان مذهبه في الهجاء قوله : « إذا هجوت فأضحك » ( القيرواني 849 : 2 ) . ويتميز شعره بلين الأسلوب ، وعدم التكلف ، وحس فني رقيق ، وسهولة ، وطبع شعري خصب . وهذا ما أتاح له قدرة عجيبة على الإطالة حتى وصفوه بأنه « يغرف من بحر » ( الاصفهاني 86 : 8 ) ، وجعل هجاءه أكثر ذيوعا على ألسن العامة . وأمّا الفرزدق فيتميز شعره بخشونة الألفاظ والغرابة ، والجهد العنيف الذي يبذله في اختيار المعاني والألفاظ ، حتى وصفه القدماء بأنّه « ينحت من صخر » ( المصدر نفسه 86 : 8 ) ، ولكن رغم هذا لم تظهر في هجائه هذه الصفة كظهورها في بقية أغراضه . وجل
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 60 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي