الأغاني في الوليد بن حنيفة الملقب بابن حزابة : « شاعر بدوي حضر وسكن البصرة ، وكان شاعرا راجزا فصيحا خبيث اللسان هجّاء » ( الأصفهاني 152 : 19 ) ، ويقول في الحكم بن عبدل : « شاعر مجيد مقدم في طبقته هجاء خبيث اللسان ، ومنزله ومنشأه الكوفة » ( نفس المصدر 396 : 2 ) ، وأمثال هذه الأقوال التي تدّل على كثرة الشعراء الهجّائين في هذا العصر .
ونرى في هذا العصر إقبال الشعراء على التكسب بالهجاء ، لأنّهم رأوا أنّ الناس لا يهتمون بهم وإن كانوا مجيدين إذا لم يخافوا شرهم ، فحاولوا أن يخيفوهم بهجائهم وجَعْلهم سخرية للآخرين واحترفوا الهجاء كسبا للمال لاتقاء الناس بالمال والعطاء خوفا من شرهم . وهذا لا يعني أننا نستطيع أن نغض عن هذه الحقيقة وهي أنّ معظم الهجائين المحترفين « قد دفع إلى هذا الاتجاه نتيجة إحساسات مكبوتة ، أو دوافع مستترة ، هي شعور بالنقص في معظم الأحيان وشعور بالاضطهاد أو التفوق في أحيان أخرى » ( محمد حسين ، الهجاء والهجاءون في صدر الإسلام 151 ) . فالمتتبع لحياتهم يجد أن معظمهم لم يتمكّن أن يحتل مكانته في الهيئة الاجتماعية ، عن طريق حبّ الناس له واحترامهم لشخصيته ، فلا بد له أن يحتل هذه المكانة بالتهديد والإرهاب .
ومن بين هؤلاء الشعراء المتكسبين بالهجاء ، جماعة كان هجاؤهم أشبه بالنادرة الطريفة التي تستوجب ارتياح النفوس وتشوّق الناس إلى سماعها وتعلقهم بحفظها وروايتها في الأسمار . وهذا اللون من الهجاء يتميز بسهولة الألفاظ ، وخفّة الأوزان التي تساعد على انتشاره وإن كان يخوض في الفحش والسباب ومن هنا كان الناس يخافونه كثيرا ، لأن العربي منذ نشأته حرص على السمعة الحسنة والصيت الطيب وخاف أن يلحق به عار لا ينجو منه أبد الدهر .
هذه الدعابة بالهجاء كانت من أثقل الأشياء على الولاة والأشراف وأكثرها إزعاجا لهم . قيل : « ولى الشرطة رجل أعرج ، ثم ولى الإمارة آخر أعرج وخرج ابن عبدل وكان أعرج فلقي سائلا أعرج ، وقد تعرض للأمير يسائله . فقال :
أَلْقِ العَصَا وَدَعِ التَّخَامُعَ وَالْتَمسْ * عَمَلًا فَهَذِي دَوْلَةُ العُرْجَانِ