سكنها واستقر فيها وبتبعه أظهر شعوره نحوهذه الأرض ، فشعره يصور تعلّقه بالوطن الذي نزح عنه وشعوره برابطة جديدة تجمعهم على اختلاف قبائلهم . ومن أمثلة هذا النوع ، هجاء أعشى همدان لأهل العراق ، في تلونهم وإرصادهم الفتنة ونكوصهم في الحروب . فيقول :
أبَى الله إلا أنْ يُتَمِّمَ نُورَه * وَيُطفِئَ نورَ الفَاسِقِين فَتخْمَدا
وَيُظْهِرَ أهْلَ الحَقِّ فِي كُلِّ مَوْطِن * وَيَعدِلَ وَقْعَ السَيْفِ مَنْ كَانَ أصيدا
وَيُنزِلَ ذلا بالعَراق وَأهلِهِ * كما نقَضوا العَهدَ الوَثيقَ المؤكَّدا
وما أحدَثوا من بِدعةٍ وعَظيمَة * من القول لَم تَصعَد إلى الله مَصعَدا
وَما نَكَثوا من بيعة بَعدَ بيعةٍ * إذا ضَمِنوها اليوم خاسوا بها غدا
وَجُبناً حشاه ربُّهم في قُلوبهم * فما يقرَبون الناسَ إلا تَهَد دا
( الأصفهاني 69 : 6 )
وهذا النوع من الهجاء هو الذي نراه في أشعار بعض الشعراء من ذلك : شعر عدي بن زيد بن عدي بن الرقاع العاملي في حرب مصعب بالعراق ( انظر : الطبري 797 : 8 ) ، وقول نعيم بن هبيرة الشيباني لأخيه في انضمامه إلى معاوية ( نفس المصدر 3441 : 6 ) ، وفي شعر ابن جعيل الذي تظهر فيه عصبية الشام وعصبية العراق .
ج - هجاء نظام الحكم : هذا النوع من الهجاء قد يتجاوز العصبيات الجاهلية ويترفع عن الفكرة القبلية الضيقة ، فيناقش نظام الحكم في الوطن الإسلامي ويهاجم الطامعين فيه ، ليصور أفقا أشمل من الناحية السياسية ، وتفكيرا أسمى من الناحية الاجتماعية ، إذ لم يتأثر بالقيم الجاهلية وما تصور من حياتها وبيئتها في الفخر والهجاء ، بل تأثّر بقيم الدين الجديد التي تتمثّلُ بالقرآن وبالمعايير الإسلامية التي قامت على سابقة المسلمين وفضلهم في الإسلام . ولعلّ شعر عبد الله بن همام السّلولي في مبايعة معاوية لابنه يزيد ، لخير مثال على هذا النوع من الهجاء :
فإنْ تَأتُوا بِرَملَةَ أوْ بِهِند * نُبَايِعْهَا أمِيرَةَ مُؤمِنِينا
إذا مَا مَاتَ كَسْرَى قَامَ كَسْرَى * نعُدُّ ثلاثة مُتَنَاسِقِينا
فَيَا لَهْفاً لَو أنَّ لَنَا ألُوفاً * وَلَكِنْ لا نَعُودُ كَمَا عَنِينا