فَقُلتُ لَه : لا بَأسَ لَسْتُ بِعَائِد * فَأ فْلَجَ يَعلوه السَّماد يرُ ، مَلْبَسا « 1 »
( 120 )
فالشاعر في هذه الأبيات أراد أن يرسم لنا شدة بخل الرجل ، فجعله يغمى عليه ويوشك أن يتلاشى ، عندما تطلب منه حاجة . ونرى شدة الهم الذي اعتراه وخاصة عندما أجمع الشاعر أن ينعاه . وهذه الصورة التي رسمها الشاعر أقرب إلى ما نسميه في عصرنا التصوير الكاريكاتوري ، فلعلنا نستطيع أن نعتبر هذا اللون من هجاء الحطيئة الذي يمزج فيه بين الهجاء والهزل ، الهجاء الكاريكاتوري الذي سنتطرق إليه فيما بعد .
ومما تجدر بنا الإشارة إليه ، أنّ الهجاء في شعر الحطيئة كان في مرحلته الأولى تعبيرا عن ذلك الاسوداد والقنوط اللذين ما برحا يطبقان على نفسه ، باعثين فيها الشعور بالوتر والنقمة . إلا « أنّ هذه النزعة ما عتمت أن تأصّلت وتطعّمت بواقع سيرته ، إذ جعل يتكسب بالهجاء ، كما يتكسب بالمدح » ( حاوي 175 ) ، فاحترف الهجاء واتخذه متجرا ومعاشا .
مما تقدّم جميعا ، يبدو لنا بعض الخصائص العامة لهجاء الحطيئة ، ومنها :
- التعبير عن الحالات النفسية وصدوره عن النقمة الذاتية .
- اعتماده على القيم الجاهلية في تصوير المثالب .
- استقلال القصيدة الهجائية وعدم اختلاطها بأغراض أخرى .
- التأثر بالنزعة الداخلية في دفع القصيدة إلى الوحدة العضوية .
- السخرية والتندّر .
وإذا اعترفنا بأنّه رائد الهجاء في العصر الإسلامي ، فلسنا نتجاوز الحقيقة ولعلنا نستطيع تعميم بعض هذه الخصائص على الهجاء في هذا العصر .
1 - 3 - 3 الهجاء في العصر الأموي
نعلم أنّ معظم الشعر في العصر الأموي ، هجاء كان أو مدحا أو فخرا ، اتّسم بطابع سياسي ملتزم ، ولقد كان الهجاء والمدح أكثر بكثير من الأغراض الأخرى في خدمة الأهداف السياسية ، بل اعتبر الهجاء السياسي من أظهر فنون الشعر في العصر الأموي .
هامش
( 1 ) - السمادير : ما يتراءى للإنسان عند السكر .