تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
أمّا الهجاء السياسي الذي برز في العصر الأموي فهو ظاهرة ظهرت في الجاهلية ، في تصوير ما بين القبائل من منازعات ومنافسات ، وما بين هذه القبائل وبين الملوك الذين كانوا يحاولون بسط نفوذهم بين الحين والحين عليها ، كما اتّسعت جوانبها في الدعوة الإسلامية من كفاح في سبيل نشر الدين وإقراره ، وكذلك في التنازع على الخلافة بعيد رحلة النبي ( ص ) وفي حروب الردة ، كما نرى ذلك في هجاء الحطيئة عندما ثار على أبي بكر في قوله :
أطَعْنَا رَسُولَ اللهِ إذْ كَانَ صَادِقاً * فَيَا عَجَبَا مَا بَالُ دِين أبِي بَكْرِ « 1 » ليُورثَها بَكْراً ، إذا مَاتَ بَعْدَهُ * وَتِلْكَ ، وَبَيْت اللهِ ، قَاصِمَة الظَّهْرِ
( 98 ) لقد تشدّد الهجاء السياسي بعد تقسيم الأمة الإسلامية إلى أحزاب متصارعة ، ولعلّنا نستطيع أن نرجع اعلان بعض القبائل بنبوة بعض أفرادها في منافسة قريش ، وحروب الردة ، ومقتل الخلفاء الأولين إلى أنّ العرب لم يتمثلوا الدين الجديد ، وأنّ العصبية القبلية ما زالت تختمر في نفوسهم حتى نراها تتحرّك بأضعف المؤثرات الخارجية . فاشتعل شررهذه العصبية القديمة عندما قدحها معاوية بن أبي سفيان ليفيد منها في تثبيت ملكه ، فقد عرف هو والخلفاء الذين جاؤوا بعده ، ما للشعر من أثر في النفوس ودأبوا على استمالة الشعراء ، والإغراء بينهم مكثرين من العطاء ليؤلفوهم إلى سياستهم ، ويستميلوهم إلى تأييد دعوتهم في القبائل ، أو ليشغلوهم بمنازعاتهم عن مراقبة أولي السياسة والفتنة عليها . فأخذت القبائل تحتشد في المربد والكناسة يستمعون إلى هجاء الشعراء الذين يتهاجون ويتثالبون فيهم ، خاصة بعد أن احتدم الهجاء بين المثلث الأموي أي الفرزدق وجرير والأخطل . فكان هؤلاء يتنازعون بالكلام كما يُتنازع بالسيف . إضافة إلى هذه الدعوة غير المباشرة التي نراها في شعر العصر الأموي وخاصة في الهجاء وبتبعه في النقائض ، نجد دعوة صريحة ، تمكّن الخليفة وتؤيد ذوي السلطة في الحكم وتساندهم . ونشاهد مثل هذه الدعوات في شعر الأخطل بالرغم من نصرانيته ، وفي شعر جرير إذ كان يستظل بظل الحجاج ، ينال أعطياته ويقول قوله .
هامش
( 1 ) - الدين : الطاعة .