تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
أعماق وجوده إلى تعبير غير مباشر . فهذا الهجاء ليس هجاء الصنعة والارتزاق كما هو شائع عن شعر الحطيئة ، أو الهجاء الملتزم بالولاء القبلي كذلك الذي نراه في الشعر الجاهلي ، بل إنّه هجاء سوداوي يصدر عن جرح نفسي لا يقدر الشاعر أن يتحرّر منه . وهذا لا يعني أنّ هجاء الحطيئة ليس هجاءً مستفاداً من واقع البيئة الجاهلية ، إذ انّه يعتمد على القيم التي كان الجاهليون يقدّسونها . ويتوسّل لهجائه بالمعاني العامة كإكرام الضيف ، والحفاظ على الجار ، والنخوة ، والدفاع عن العرض ، يؤدي ذلك في حدود معقولة شبه واقعية ، ولا يبلغ منه أقصى غايته ، ولا نجده متأثرا في هجائه بالدين الجديد ، إذ انّ معظم معانيه مستمدة من واقع البيئة والمثل الجاهلية . فنجد في هذه القصيدة معاني الهجاء الكلاسيكي المستمد من انعكاس القيم وسلبيتها . فهو يهجوهم بالامتناع عن تكريم الضيف في البيت الثاني وينتزع عنهم فضيلة الكرم والنخوة المأثورة في العرب : أي إنّ من ينتجع ديارهم وينزل بهم ركابه عندما تحبس السماء ويعمّ الضيق ، فانّه لن يلقى إلا الهوان وتعفير الكرامة . وليس في هذا المعنى ابتكار ، إذ إنّه مبذول في سنّة الفخر والمدح والهجاء . إلا أنّ الهجاء في الشعر الجاهلي كان يتّحد اتّحادا عميقا بالفخر والسياسة ولا نرى استقلال القصيدة الهجائية في ذلك العصر ، بينما إنّ معظم قصائد الحطيئة يستقل فيها الهجاء عن سائر أغراض الشعر ، حتى يغلب أن يكون قريبا إلى النقائض التي نراها في العصر الأموي ، وهذه الميزة من أهم ميزات شعر الحطيئة . كما أدّى هذا الاستقلال في القصيدة الهجائية إلى وحدة العضوية التي كانت تندر في الشعر الجاهلي . ولعلّ الميزة الأخرى التي نراها في بعض أشعاره هي السخرية والتندُّر ، إذ يستخفه ما يطالعه في نفوس مهجويه ، فيتندّر عليهم ضاحكا ، كما نجد ذلك في وصفه لأحد البخلاء بقوله :
كَدَحتُ بأظفاري وَأعملتُ مِعْولِي * فَصادَفَ جُلمُوداً مِنَ الصَخرِ أمْلَسا تَشاغَلَ لَمّا جِئْتُ في وَجْهِ حَاجَتِي * وَأطْرَقَ حَتَى قَدْ قُلْتُ قَدْ مَاتَ أوْ عَسَى وَأجْمَعْتُ أنْ أنْعَاهُ حَتَّى رَأيْتُه * يَفُوقُ فُواقَ المَوتِ حَتَّى تَنَفَّسا