وناقم على هذا الأب المجهول الذي لم يورثه إلا عارا باقيا ، وهو ناقم على الظروف التي جمعت إلى كل هذا قبح المنظر ودمامة الوجه . يحقد على الناس ويتصدّى لهم بهجائه منفّسا بذلك عن حقده على نفسه . لقد هجا أمّه وأخويه وابنيه وزوجه ، لأنّهم كانوا تصويرا لنفسيته وتمثيلا لمأساته وتشخيصاً لها ، وهجا قومه الذين خذلوه ، وقد أمّل الشاعر أن يقوموا بنصره ليقوى على مواجهة الناس والحياة ؛ فهجاهم ليعبّر تعبيرا غير مباشر عن نقمته على الحياة وعلى نفسه وعلى أولئك الذين تنكروا له .
ولعلّنا نستطيع أن نستخلص هذه الحقيقة من بعض قصائده ، كقصيدته التي يستهلّها مقارنا بين والدته وبين سائر النساء ، منتهيا إلى أنها وزوجها يسيئان إلى الناظر اليهما . ثمّ ينتقل إلى هجاء بني جحش العبسيين العديمي الصبر ، فهم أذلاء ، دُسُم الثياب ، لا يمنعون جارهم ، يتركون نسائهم للغزاة . وإنّ نجادهم نجاد اللؤم وأباهم كالقرد . فهو يقول :
ولقد رأيْتُكِ في النساء ، فَسُؤتِنِي * وأبَابَنيكِ ، فَساءَني في المَجلِس
إنّ الذليل لِمَن تَزورُ رِكابُهُ * رَهط ابن جَحش في مَضيق المَحبس
لا يَصبِرونَ ، ولا تَزالُ نِساؤهُم * تَشكو الهَوانَ إلى البَئيس الأبأس
رَهط ابن جَحش في الخُطوب أذلّة * دُسمُ الثياب ، قَناتُهمْ لَم تُضْرَس
بالهَمز مِنْ طول الثّقاف ، وَجارُهُم * يُعطَى الظُّلامَةَ في الخُطوب الحَوَّس « 1 »
قَبَحَ الإله قَبيلةً لَم يَمنَعوا ، * يَوْمَ المُجَيمِر ، جارَهُم مِن فَقْعَس
تَرَكوا النساءَ مَعَ الجياد لِمَعشَر * شُمْس العَداوَةِ ، في الحروب الشوَّس
أبلغْ بَني عَبْس بأنَّ نِجارَهم * لُؤم ، وأنّ أباهُمُ كالهِجْر س
يُعطِي الخَسيسَة ، راغِماً ، مَن رامَها * بالضَيم بَعدَ تَكَلُّح وتَعَبُّس
( 118 - 119 )
فإذا تأملنا في هذه القصيدة ، وجدنا أنّ قيمتها ليست في كثافة المعاني وشدة تعقيدها والصور الهجائية التي قام الشاعر برسمها ، بل تكمن في الرصيد النفسي الذي نلمسه وراء الألفاظ وتوسّل الشاعر في ابرازه والاعتراف بذلك الجرح الداخلي الذي ما برح يسيل في
هامش
( 1 ) - الهمز : الغمز . الحوَّس : الشديد .