في قصائدهم الإسلامية المبكرة ، أن يتخلصوا في أشعارهم الهجائية مما ألّفوه من أساليب الشعر الجاهلي وأنماطه واعتماده على الخصال التي تصوّر المثل الجاهلية ، إلا أننا نلاحظ في بعض هذه القصائد اختلافا طفيفا عن الشعر الجاهلي في أسلوبه وتأثراً قليلا بالمثل الدينية الجديدة ، وتمثيلا للمدرسة القرآنية في التعبير عن المعاني الإسلامية . وذلك لأنّ « التغيير الفكري والاجتماعي لا يترك أثرا مباشرا وسريعا في الفنون . فلا بد من مرور وقت كاف لكي يعيش الشاعر أو الفنان في هذا التغيير الجديد حتى تعتاده نفسه ويشربه ذوقه ويختمر في خياله ويرسب في أعماق حسه » ( محمد حسين ، الهجاء والهجاؤون في الجاهلية 227 ) .
ب - - الهجاء الذاتي الوجداني :
هذا النوع من الهجاء يتولّد من الخطيئة الأصلية في النفس البشرية التي يصاب الإنسان قبل أن يفد إلى هذا العالم ، وقبل أن يكتسب لنفسه المعاصي أو الفضائل ، فيصدر عن ذات متهجّمة ساخطة على الحياة ومظاهر الكون غالبا ، وتظهر فيه سور البؤس والتشاؤم .
وهذا النوع من الهجاء نراه في بعض ما نظمه الحطيئة ، عندما التبست عليه الحقيقة وعرته كآبة الوجود الدائر على دوّامة العبث والخبث . والواقع أنّ الحطيئة هو من الشعراء الذين كانوا يعانون وطأة الخطيئة الأصلية ، ويحقدون على الذين تنكّروا لهم ، « لأنّ الأعراب كانوا يقدّسون شرف الأصل ويحفظون الأنساب ويتباهون بها ، ويكادون لا يغفرون للإنسان خطيئة الأصل . فكانوا يحتقرونه ويرمزون به إلى قلة الشأن والضعف والمنكر » ( حاوي 118 ) . فمشكلة الحطيئة قدّرت له قبل أن يولد وظل يعانيها في حياته كلها ، فقد ولد لأمَةٍ ، حملت به من سيدها أوس بن مالك العبسي ، والانحلال الأخلاقي الذي كان يسيّر حياة والدته أثّر تأثيرا عميقا في نفسيته . إذ نشأ كأمّه دون أن يرى حقارة في التلوّن بين العصبيات والقبائل ، ولعلّ ذلك ناجم عمّا رآه الشاعر في تلوّن والدته وتنقّلها بين الرجال ، فنشأ على الذل والاستجداء والصغر ، وكلّ هذه الأمور أدّت إلى سحقه وإماتة نفسه .
وربمّا نستطيع أن نقول إنّ الحطيئة لم يقبل واقع الذلّ بغبطة ورضا ، بل على العكس فإننا نرى من خلال أهاجيه أنّه كان دائم النقمة والتوتّر ، هو ناقم على أمه التي حملته شهوة ،
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 48
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٤٨