تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
أي إنّه يهجوهم بالكفر . وهكذا لمّا اعتمدت أركان الدولة الإسلامية على الدين ، تسرّبت المعاني الدينية في صلب الأغراض الشعرية المعتمدة على القيم . أمّا عدم تأثير القرآن المباشر في الهجاء ، فلا ينفى وجود بعض المعاني الهجائية المرتبطة بالمثل الدينية في القرآن . فلقد انطوى القرآن كسائر الكتب السماوية على بعض اللعنات ، إلا أنّه كان أشد اتصالا بواقع الشعب والرعية ، وفيه آيات تعرضت للأفراد . فهم أنفسهم اعترفوا بأنّ هذه الآيات هجاء ، كالآيات التي أنزلت في لعن عمّ النبي ( ص ) ، أبي لهب وزوجته . كما روى صاحب السيرة « أنّ أم جميل بنت حرب بن أمية قصدت إلى رسول الله ( ص ) ، حين نزل قوله تعالى :
( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ، ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ، سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ، فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ )
( المسد 1 - 5 ) فقالت لأبي بكر : يا أبا بكر ! أين صاحبك ؟ فقد بلغني أنّه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الفِهْر فاه ، أما والله إنّي لشاعرة ، ثمّ قالت : مذمّما عصينا . وأمرَه أبينا . ودينه قلَينا . ثمَّ انصرفت » ( السيرة 393 : 1 ) . ومثل ذلك في الآية التي جاء بها صاحب العقد الفريد تمثيلا بالهجاء في القرآن ( انظر : ابن عبد ربه 145 : 6 ) :
( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ، أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ . . .
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ )
( الشعراء 224 - 227 ) . ومثل هذه الآيات كثيرة في القرآن وخاصة الآيات التي هُجي بها الكفّار ، والمنافقون واليهود في إعراضهم عن النبي ( ص ) . فالقرآن لا يهدد المهجوّ على الأساليب الجاهلية بغارة تسيل فيها الدماء ، وتسبى فيها النساء ، وغير ذلك من المثل الجاهلية ؛ ولكنّه ينذرهم نارا أو سعيرا أو عذابا أليما . وهذا دليل على أنّ الأسلوب القرآني في الهجاء يقوم على مثل دينية إسلامية ويستند إلى قيم جديدة تخالف كل ما عرفه الشعر الجاهلي من القيم . وقد نجد في القرآن كثيرا من الآيات الأخرى التي تغلب عليها النزعة الجدلية والمعاني
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 46 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي