تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
الشدائد . وقد أجابه حسّان بقوله :
أبَكَى لِكَعبٍ ، ثمَّ عَلَّ بعَبرَة * مِنْهُ وَعاشَ مُجَدِّعاً ، لا يَسمَعُ وَلَقَدْ رَأيْتَ بِبَطن بَدر مِنْهُمُ * قَتْلَى تَسُحُّ لَهَا الْعُيُونُ وتَدمَعُ فَابْكي ، فَقَدْ أبْكَيْتَ عَبْداً وَاضِعاً * شِبْهُ الكُلَيْبِ إلَى الْكُلَيْبَةِ يَتْبَعُ
( 133 ) فنلمس الهجاء في استخدام الشاعر لبعض الألفاظ ك - « المجدّع ، وعبد ، وكليب ، وكليبة » ، إلا أنّ عباراته لا تسمو سمو الشعر الفني المأثور ومستواه ولا ترتفع ارتفاع الشعر الهجائي المتكامل الذي سنراه في العصور التالية .

1 - 3 - 2 - 1 تأثير القرآن في تطوير الهجاء

لا شكّ أنّ القرآن قد أحدث تحوّلا فكريا ودينيا وانسانيا كبيرا في المجتمع الجاهلي ، وأثّر تأثيرا عميقا في نفوس الناس ، ولم يكن تأثيره في الناس تأثيرا جماليا ، وبلاغيا وحسب ، بل إنّه فتح لهم في آفاق النفس والحياة والوجود ما لم يكن يخطر ببالهم . فالحقيقة الروحية الجديدة التي دعا إليها الإسلام قد تجسّدت في تعاليم القرآن المتصلة بالله والملائكة والرسل ومن إليهم ، وهي تعاليم لا حدّ لها في الكشف عن أسرار النفس والوجود . وبالنسبة لتأثير القرآن في الهجاء ، فلم يؤثر فيه تأثيرا مباشرا ، حيث إنّ الهجاء يقوم على إظهار المثالب والعورات والنقائص ، ويرتبط بالقيم الأخلاقية والاجتماعية القديمة والجديدة ارتباطا تاما ، فمعظم هذه القيم في العصر الإسلامي مأخوذة من القيم المأثورة الجاهلية ، ولكنّ كثيرا من الشعراء ، أفادوا من معاني القرآن السامية وتعاليمه الإلهية ، ليتداولوا معاني هجائية جديدة . وهذا ما نلاحظه في شعر أعلام شعراء الهجاء في صدر الإسلام كعبد الله بن رواحة وكذلك في شعر الشعراء الذين بلغوا ذروة الهجاء في العصرين الأموي والعباسي ، كما نلمس حضور القرآن الدائم في مدائحهم وأهاجيهم . فمثلا الأخطل ، بالرغم من نصرانيته تأثّر بالقيم الدينية الجديدة ويدعو عبد الملك خليفة الله ويقول :
وَقَيْسُ عَيْلان حَتَى أقْبَلُوا رَقْصاً * يُبَايِعُونَكَ ، وَكَانُوا طَالَمَا كَفَرُوا
( 712 )