تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣

1 - 3 - 2 الهجاء في العصر الإسلامي

تغيّرت معظم المقاييس النفسية والأخلاقية والاجتماعية في حياة الجاهليين بمجيء الإسلام ، إذ أثار في العرب حركة فكرية عنيفة لا عهد لهم بمثلها ، ولم يكن سبيله إليها منذ بدايته سهلًا ، وذلك لأنّ النبي ( ص ) وأتباعه لقوا أشد معارضة من العرب وخاصة من بني قومه القرشيين الذين كانوا أهل لسن وبيان ، وأهل قتال قابلوا النبي ( ص ) أولا ولجأوا إلى السيف والقتال أخيرا ، فانتدبوا شعراءهم ، مثل : عبد الله بن الزبعري ، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وضرار بن الخطاب ، وعمرو بن العاص لإيذائه ( ص ) بألسنتهم ، كما كان اليهود يتعرضون للإسلام بشعرائهم من مثل : كعب بن الأشرف وسمّاك اليهودي . والنبي ( ص ) أدرك قيمة الحرب الكلامية وما تترك من أثر في نفوس الناس فتصدى لهم بمثل سلاحهم ، وكان يحشد عليهم بالفكر والعقيدة والشعر جميعا ، وعني بالرد على شعراء قريش ، نادبا بذلك بعض الشعراء من المسلمين . فانتدب لهجو المشركين ، حسّان بن ثابت الأنصاري ، وكعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة ، فضلا عن الأعشى التميمي ومعبد الخزاعي . وقيل : كان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر وعبادة الأوثان ، وكان حسان وكعب بن مالك يعارضانهم بمثل قولهم في الوقائع والأيام والمآثر ويذكران مثالبهم . فكان قول عبد الله بن رواحة يومئذ أهون القول عليهم ، وكان قول حسان وكعب أشد القول عليهم . فلمّا أسلموا ، كان أشد القول عليهم قول عبد الله بن رواحة ( انظر : الأصفهاني 145 : 4 ) . وتأكيدا على موقف حسان ممن يهجو الرسول ( ص ) ، هجا أبا سفيان قبل أن يعلن إسلامه قائلا :
هَجَوتَ محمّداً ، فأجبْتُ عَنهُ * وَعِندَ اللهِ في ذاك الجَزاءُ أتَهْجوهُ وَلَسْتَ لَه بِكُفءٍ * فَشَرُّكُما لِخَيرِكُما الفِداءُ هَجَوْتَ مُبَاركاً برّاً حَنيفاً * أمِينَ اللهِ شِيمَتُه الوَفاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسولَ اللهِ مِنْكُم * ويَمْدَحُه ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ لِسَاني صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ * وَبَحْري لا تكدِّرُهُ الدّلاءُ
( 13 )