تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وهكذا ، نجد الشعراء تواقعوا في الهجاء بنوع من النقائض التي وصلت إلى ذروتها في العصر الأموي ، ذاكرين المثالب القائمة والقديمة في النسب ، وبعض الوقائع والأسماء ، وما حدث في المواقع ، كما نرى اعتمادهم على الإقذاع وتسمية المهجو بالبهائم ومقارنته بها ، وإفادتهم من بعض معاني الدين الجديد ، إلا أنّه لم يحدث في الهجاء ، التطوّر الفني العميق ، إذ اتّصف بصفة الارتجاز والارتجال مع قليل من الجزالة ، وكثير من الركاكة والسهولة في التعبير . ومن هذه المناقضات ما جرى بين حسّان وأبي سفيان في بدر الآخرة ، وبين حسّان وعبد الله بن الزبعري في موقعة بدر وأحد ، وبين حسان وكعب بن الأشرف اليهودي في موقعة بدر ، وكذلك ما جرى بين علي بن أبي طالب ( ع ) ، وسمّاك اليهودي ، وبين عبّاس بن مرداس السلمي ، وخوَّات بن جُبَيْر ، وكعب بن مالك الخزرجي ، عندما أجلى النبي بني النضير عن المدينة ، وبين كعب بن مالك وضرار الفهري في غزوة الخندق ، وما إلى ذلك من أيّام وأحداث ، مما لا مجال للإغراق في ذكرها والبحث فيها ، وإنّما نرغب أن نخلص من ذلك إلى أنّ الإسلام جعل الشعر أداة من أدوات الدعوة في التعرّض للخصوم . ولعلّ ذكر المقطعين من مناقضة بين كعب بن الأشرف اليهودي وحسّان في موقعة بدر ، لا يخلو من فائدة في هذا المجال . « إذ فجع كعب بانتصار المسلمين وخشي مغبة ذلك على قومه ، فمضى يحض على النبي ، منتحبا على قتلى بدر :
طَحَنَتْ رَحَى بَدْر لمهلك أهْلِه * وَلمِثْل بَدْرٍ تَسْتَهِلُّ وَتَدْمَعُ قُتِلتْ سُرَاةُ النَّاسِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ * لا تبعدوا إنّ الْمُلُوكَ تُصَرَّعُ كَمْ قَدْ أصِيبَ بِهِ مِن أبْيَضَ مَاجِدٍ * ذِي بَهجَةٍ يَأوِي إلَيْهِ الضُّيّعُ طَلقِ اليَدَيْنِ ، إذا الْكَواكِبُ أخْلَفَتْ * حَمَّالِ أثْقَال يَسُودُ وَيَربَعُ »
( حاوي 89 ) لم يبتدع الشاعر معنى جديدا ، بل أفاد من معان رثائية ، مدحية ، تحريضية ، هجائية ، وألّف بينها لتؤدّي غايتها . فيتّهم النبي ( ص ) بأنّه يقتل أهله ويفتك بهم ، بالرغم من أنّهم أئمّة الناس ورؤسائهم ، وكان الجياع والضائعون يلوذون بهم في الجدب والمحل ونزول