مثنيا مادحا . لذلك نرى في العصر الجاهلي اختلاط الهجاء بالحماسة والغضب الذي يصور المثل العليا في ذلك الوقت إيجابا وسلبا . كما أنّه « لم يُعرَف الهجاء للسخرية والتندّر ، والهجاء الاحترافي المتفرّغ لهواية التشوية ، كما نرى في العصر العباسي ، بل إنّه نوع من الهجاء النضالي ، إذا جاز التعبير » ( حاوي 80 ) .
ه - - ورود الهجاء بشكل التهاجي :
إذا نظرنا في الشعر الجاهلي لاحظنا أنّ معظم الأهاجي في هذا العصر وردت بشكل التهاجي والنقائض بين شاعر وآخر . ولعلّ المهاجاة بين امرئ القيس وعبيد بن الأبرص في مقتل حجر وما حدث بينهما من النزاع الشعري لخير دليل على هذا القول ، وكذلك ما جرت من نقيضة بين امرئ القيس وعاصم وشهاب اليربوعيَّين . إذ قال امرؤ القيس :
أبْلِغْ شِهَاباً ، وَأبْلغْ عَاصِماً * هَلْ قَدْ أتَاكَ الخُبْرُ مالِ « 1 »
إنّا تَرَكْنا مِنْكُمُ قتْلَى وَجَرْ * حَى وَسَبَايَا كَالسَّعَالِي « 2 »
يَمشينَ بَيْنَ أرْحُلِنَا مُعْتَرفَا * تٍ مَا بِجُوْعٍ وَهُزالِ « 3 »
( 135 )
فردّ عليه شهاب بقوله :
لَمْ تَسْبِنَا خَيْلُكُمُ فِيْمَا مَضَى * حَتَى إسْتَفَأنَا الْحَيَّ مِنْ أهْلٍ وَمَال
ذَاكَ وَكَمْ كنْديَّةٌ سَوْدَاءُ قَدْ * تَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ بِوَجْهٍ كَالْجِعَالِ
( حاوي 82 )
وهاتان النقيضتان تمثلان لنا النقائض الجاهلية التي نلمس فيها نوعا من الانفعالات البدائية التي تصوّر لنا اعتزاز الشاعر بذاته وبقبيلته وشعوره بالتفوق على المهجو وقومه ، وفرحته بما أصابوه وأصابوهم من البلية ، كما اتصفت هذه النقائض بروح الرجز والتعبير النثري .
هامش
( 1 ) - مال : ترخيم يا مالك .
( 2 ) - السعالي ، جمع سعلاة وهي أنثى الغول ، الحيوان الخرافي .
( 3 ) - ما : زائدة .