للظهور على الأعداء ووسيلة للدفاع عن الحقّ والكرامة والرأي . ولا نكاد نجد هجاء جاهليا حتى يكون مرتبطا بحادثة معيّنة في السياسة العامة أو القبليّة أو بحادثة ترتبط بالأفراد . وهذا ما نشهده بوضوح في القصائد التي نظمت في النزاع بين القبائل ، حيث غدا الشاعر بالهجاء لسان قومه ، ودرعهم وسفيرهم عند الملوك متهدداً خصومهم ومسفها آراءهم ومواقفهم . ومن ذلك هجاء النابغة لعيينة ، وهجاء زهير لآل الحُصَين ومرافعة الحارث بن حلّزة بني تغلب أمام عمرو بن هند إذ يقول :
وَأتَانَا مِنَ الْحَوَادِثِ والأنْباءِ * خَطْبٌ نُعْنَى بِهِ وَنُسَاءُ
أنَّ إخْوَانَنَا الأَرَاقِمَ يَغْلُو * نَ عَلَيْنَا فِي قِيْلِهِمْ إحْفَاءُ
يَخْلِطُونَ الْبَرِيءَ مِنَّا بِذِي الذْ * ذَنْبِ ، وَلا يَنْفَعُ الْخَلِيَّ الْخَلاءُ
أيُّهَا النَّاطِقُ الْمُرَقِّشُ عَنَّا * عِنْدَ عَمْرٍو ، وَهَلْ لِذَاك بَقَاءُ
لا تَخَلْنَا عَلَى غَرَاتِكَ إنَّا * قَبْلُ مَا قَدْ وَشَى بِنَا الأعْدَاءُ
إنْ نَبَشْتُمْ مَا بَيْنَ مِلْحَةَفالصّا * قِبِ ، فِيهِ الأمْواتُ وَالأحْيَاءُ
أوْ نَقَشْتُمْ ، فَالنَّقْشُ يَجْشَمُهُ النَّا * سُ وَفِيهِ الإسْقَامُ وَالابْرَاءُ
أوْ سَكَتُّمْ عَنَّا ، فَكُنَّا كَمَنْ أغْ - * - مَضَ عَيْناً فِي جَفْنِهَا الأقذَاءُ
( التبريزي 298 - 301 )
نرى في هذه الأبيات أنّ الشاعر يكون الناطق باسم قبيلته والمدافع عنها ، ويضمن هجاؤه هذا قيم مجتمعه القبلي ، ويشبه التزامه القبلي فيه بالالتزام الحزبي الذي انطلقت منه إيدولوجية الأحزاب . فالشاعر في هجائه هذا جزء لا يتجزأ من قبيلته ، ولعلّ التزامه الهجائي أظهر في مقاطع أخرى من القصيدة حيث يحقق أسلوب الدفاع عن النفس والقبيلة ، عندما يذكر الأيام التي خزي فيها التغلبيون وأريقت كرامتهم ، دون أن يسرعوا في القتال للثأر والانتقام .
ولعل هذه النزعة الالتزامية هي التي استوجبت غلبة الحماسة على شعرهم ، حتى سمي أبو تمام مختاراته الجاهلية بالحماسة . فقدكان الشاعر في هذه الأشعار يتغنى بقوة القبيلة ، ويشيد بمجدها ، وقديم عزّها ومكانه منها ، ويتعرّض في أثناء ذلك لأعدائها هاجيا ، ولحلفائها