إنّ شعراء هذين العصرين تفتقوا بكل معنى مقذع ، أباحيّ ، لما رأوا أنّ الهجاء بهذه القيم لا يؤثّر في مهجويهم .
ج - - عدم صدور الهجاء عن المعاناة النفسية وانعدام تفاعل الشاعر مع النقص والعاهة
كما أسلفنا سابقا أن الهجاء الجاهلي كان وليد الغضب والحماس ، ولم يكن وليد الشعور العام بالهزيمة والفشل في الحياة ؛ ولا شك أنّ الشعر الهجائي العميق لا يتولّد إلا بعد أن يتفاعل الشاعر مع أحوال الكراهية والمقت والعاهة ، فلهذا نرى أنّ معظم الهجّائين في الأدب العربي كانوا من الذين أصيبوا بعاهة في أنفسهم أو في أجسادهم أو في كيانهم الاجتماعي ، مثل : الحطيئة ، وبشاربن برد ، ودعبل الخزاعي ، وابن الرومي ، وغيرهم . « فليس في الشعر الجاهلي ذلك الشاعر السوداوي الذي وصمته الحياة وأذلّته ولم تعوّض عليه بما يردم به هاوية نفسية » ( حاوي 82 ) ، وكبار الشعراء الجاهليين كامرئ القيس ، وعمرو بن كلثوم ، والحارث بن حلّزة ، والنابغة الذبياني ، و . . . ، بغض النظر عن الصعاليك ، كانوا من أسياد قومهم ، ولم يكن شعرهم وليد السويداء القاتمة التي تسيطر على نفوسهم بسبب العاهات النفسية والاجتماعية والخلقية ، وحتى أولئك الذين أصيبوا ببعض العاهات ، تنكّروا لها وبدلا من الهجاء واتخاذه كأداة للتعوّض وردم الشعور بالنقص والضعة ، مالوا إلى الفخر ، ولو لجأوا أحيانا إلى الهجاء ، لكن هجاءهم لم يكن إلا في قطع عابرة انصرفوا عنها إلى أغراض أخرى ، كما نجد ذلك عند عنترة بن شداد الذي أصيب بعاهة اللون والأصل .
فطبيعي أن لا نجد في الهجاء الجاهلي تلك التعقيدات النفسية السوداوية التي نلمسها في شعر الحطيئة أو جرير أو بشاربن برد أو ابن الرومي . إضافة إلى أنّ معظم الهجاء الجاهلي يتصف بالالتزام ، فإنّه لا يتكامل ولا يبلغ إلى ذروته إلا إذا صدر عن الشعور بالنقص والهزيمة في العيش والفشل في الحياة .
د - اتّصاف الهجاء بالالتزام واختلاطه بالحماسة :
إنّ الهجاء الجاهلي فن التزامي ، انطلق من القضايا التي كان الشعراء يلتزمون بها ، وعليهم أن يجعلوه في خدمتها ، كالولاء للقبيلة ، ويكون بإظهار المثالب والمعايب وسيلة
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 40
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٤٠