تظهر هذه المعاني في اتّصاف المهجو بالجبن والقعود عن الغزو ، وبذهاب الهيبة بين الناس ، وبالقعود عن الثأر وقبول الدية ، وبالعجز عن حماية الجار ، والتخلص إلى نسائه في السلم أو الحرب ، والاعتماد على حماية الأقربين من أبناء عمه وعشيرته ، والاشتغال بما ليس من شأن القوى كالصناعة والزراعة والتجارة . ولعل ما نظمه الأعشى في هجاء « بني أياد » والفخر بقبيلته ، يمثل بعض هذه الفضائل العربية الجاهلية ، عندما يقول :
لَسْنَا كمَنْ جَعَلتْ إيادٌ دَارَهَا * تَكْرِيتَ تَنْظُرُ حَبَّهَا أنْ يُحْصَدا « 1 »
قَوْماً يُعالِجُ قمّلًا أَبْناؤهُمْ * وَسَلاسِلًا أُجُداً وَبَابَاً مُؤْصَدَا « 2 »
جَعَلَ الإلهُ طَعامَنَا في مَالِنَا * رِزقاً تَضَمَّنَهُ لَنا لَنْ يَنْفَدَا
مِثْلَ الهِضَابِ جَزَارَةً لِسُيُوفِنا * فَإذَا تُراعُ ، فَإنَّهَا لَنْ تُطْرَدَا « 3 »
ضَمِنَتْ لَنا أعْجَازُهُنَّ قُدورَنا * وضُرُوعُهُنَّ لنا الصَّريحَ الأَجْرَدَا « 4 »
( 108 )
فالأعشى يقول إنّ قبيلة إياد ممثلة لواقع الذلّ ، إذ تخضع للظلم الكسروي ، لأنّها ألفت الدعة والاستقرار ، تحرث وتنظر نضج الحصاد مخذولة للفرس ، خاضعة لطاعتهم ، لا تعرف العزة ، لأنّ قيام أبنائها على الزراعة أفقدهم طباع الفروسية والبطولة ، بينما قبيلته تكون مثال الأنفة والتمرّد ، وأبناؤها يهتمون برعي الماشية والجياد الكريمة ، يذهبون إلى الديار التي يُمرع الكلأ فيها ، أحراراً في ترحالهم مدافعين عن أعراضهم وإرادتهم . وهكذا هجاء الأعشى لبني إياد يعتمد على الفضائل العربية الجاهلية التي تتمثل هنا في عدم الخضوع والاستقرار اللذين يفقدان حرية العرب .
فبالنظر إلى مثل هذا الأبيات نرى واضحا أنّ الهجاء الجاهلي اعتمد على القيم الخلقية والاجتماعية التي كانت سائدة في ذاك العصر وابتعد عن الفحش والإقذاع المعنوي ، بينما أنّ مستوى هذه القيم قد ضعف في العصر الأموي والعباسي خاصة ، بل أوشك أن تزول ، حيث
هامش
( 1 ) - تكريت : بلد في شمال العراق .
( 2 ) - الأجد : المحكّمة الربط ، الموثقة . المؤصد : المقفل ، المغلق .
( 3 ) - الهضبة : القطعة من الجبل خلقت من صخرة واحدة . راعه : أفزعه . طرد الإبل : ضمّها من نواحيها .
( 4 ) - الصريح : اللبن الصافي .