الهبة في هذا العصر مظهرا من مظاهرالضعف ، وهذا ما نراه في هجاء الأعشى إذ يعير يزيد بن مسهر ما يُجرى عليه ملوك العراق من رزق فيقول :
وَذَرْنَ ا وَقَوْماً إن هُمُو عَمَدُوا لَنَا * أبَا ثَابِتٍ وَاجْلِسْ فَإنِّكَ نَاعِمُ
طَعَامُ العِرَاقِ المُسْتَفِيضُ الَّذِي تَرَى * وَفِي كُلِّ عَامٍ حُلَّةٌ وَدَرَاهِمُ
( 342 )
وكان الضعف في كل مظاهره هو الذي يعير به الرجل ، ويذوق من جرائه الهون والنكال . كما يقول طرفة بن العبد :
فَلَو كُنْتُ وَغْلًا فِي الرِّجَالِ لَضرَّنِي * عَدَاوَةُ ذِي الأصْحَابِ وَالمتَوَحّدِ « 1 »
وَلَكِنْ نَفَى عَنِّي الرِّجَالَ جَراءَتِي * عَلَيْهِمْ وَإقْدَامِي وَصِدْقِي وَمَحتِدِي « 2 »
( 38 )
وقد صوّرت حياة الصعاليك المثل العربية العليا في ذلك الوقت تصويرا جليا ، كما نجد ذلك في أشعار عروة بن الورد الذي يتصور الفضيلة والمجد في ركوب المخاطر والأهوال ، وكذلك عند تأبط شرا الذي تتمثّل حياة الرجال عنده في القتال ، والاضطراب في الصحاري ، واليقظة المستمرة في الليل والنهار ، ويتمثل حبُّه في الرجل أن يكون نحيلا خفيف اللحم ، من أثرالسهر ، واقتحام الأهوال ، وطيّ الرمال ، والصبر على المكاره ساعة النزال . كما يقول :
سَبّاقِ غَاياتِ مَجْدٍ في عَشيرَتِهِ * مُرجِّعِ الصَّوتِ هدًّا بين أَرْفَاقِ « 3 »
عَارِي الظَّنابِيبِ ممتدٍّ نَوَاشِرُهُ * مِدْلاجِ أدْهَمَ وَاهي الماءِ غَسّاقِ « 4 »
( 42 )
فإذا تأملنا في المعاني الهجائية في هذا العصر نرى أنها تتمثّل في عدم الصبر على المصيبة ، والضعف والخُور ، وخمول النسب ، والبخل ، والفقر ، ورعي المعز والشاء دون الإبل ، وركوب الحمير دون الخيل ، وامتهان النساء في الرعي والكد خارج المنزل ، كما
هامش
( 1 ) - الوغل : الضعيف من الرجال وقيل هو اللئيم منهم .
( 2 ) - المَحتِد : الأصل .
( 3 ) - الهدّ : الهدم الشديد ، الصوت الغليظ .
( 4 ) - الظنابيب ، جمع الظنبوب : هو حرف عظم الساق . نواشر جمع ناشرة : عصب الذراع . الإدلاج : سير الليل كله . الأدهم : الليل .