ويمكن أن يرجع عدم استقلال القصائد الهجائية إلى واقع النفسية والبيئة الجاهلية ؛ إذ لم تكن الفنون الأدبية قد استقلّت وتفرّعت في ذلك العصر ، بل تمّ هذا الأمر في العصر الأموي . وهذا لا يعني أن الفنون الأدبية كانت مجهولة قبله ، لكنها لم تتمايز تمايزا واعيا قبل العصر الأموي .
أما المعاني الهجائية ، فهي أقل المعاني نضجاً بالنسبة إلى معاني سائر الفنون الشعرية ( انظر : حاوي 79 ) ، ولم تتحدد أيضاً كمعاني الفخر والغزل والمدح ، كما أنّ هذا الفن لم يعرف أعلاما وروّادا في الشعر الجاهلي . فليس للهجاء مثل عنترة في الفخر وامرئ القيس في الوصف والنابغة والأعشى في المدح . ولعل ذلك قد يفسّر في أنّ الشعر البدائي هو شعر التفاؤل والتقليد والوصف والنشوة وليس شعر اليأس والنقص والعاهة .
ب - - اعتماد الهجاء على القيم الخلقية والاجتماعية وابتعاده عن الفحش والإقذاع :
لقد اعتمد الشعراء الجاهليون في معظم أهاجيهم على القيم الأخلاقية والاجتماعية ، فلا نشهد في مجمل هذه الأهاجي ، الفحش اللفظي والإقذاع المعنوي اللذين نراهما كثيراً في هجاء العصر الأموي وما بعده . ولعل هذا الأمر يرجع إلى صفاء النفسية العربية في العصر الجاهلي الذي كان يَدَعُ للقيم نوعا من الاحترام الشبيه بالقداسة ويشجع أبناء ذاك العصر على الإيمان بهذه القيم ، فإذا انتهكت ، كان لها وقع عميق في وجدانهم الحريص على حرمتها ؛ فلذلك كان الشعراء الجاهليون في هذا العصر يكرهون أن يثلبوا مهجويهم بما يقذع في أعراضهم ، بل يهجوهم بقلة الوفاء والغدر وضعف الهمة والعجز عن حماية الجار والقعود عن الثأر و . . . ، معتمدين على القيم الخلقية والاجتماعية ، كالكرم ، والشجاعة ، والوفاء للجار ، واتصال السؤدد في الأجداد ، وعزة الأهل ، ومنعة القبيلة ، وشدة بطشها ، والتجلد للمكاره والخطوب .
فعلى سبيل المثال أنّ الكرم الذي كان الشعراء ينعتون ممدوحيهم به ، تعتبر مظهرا من مظاهر سيادتهم القوية ، إذ إنهم كانوا يجودون بما يغتصبونه بقوّتهم ولا يدّخرون المال خوف الفقر ، ولا يشفقون من المستقبل أن ينتزع ثرواتهم حيث كانوا مقتدرين . فلذلك كان قبول
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 37
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٣٧