وهو كالخمرة والغزل كان جزءاً من القصيدة التي نلاحظ فيها موضوعات عديدة . والمعاني الهجائية أيضا لم تقتصر على غرض هجائي خاص ، بل تنعكس في الأغراض المختلفة الشعرية كالعتاب والتهديد وقد يتخذ شكل الفخر ، حتى لا ندري أين تقف حدود الفخر والهجاء ، ولعلّهما يتناميان ، بعضا مع بعض ، يتعاظم أحدهما بالآخر . وهذا ما نراه جليا في هجاء الأعشى لكسرى الذي أسر النعمان أو قيس بن مسعود الشيباني ، وكان الأعشى ممن حثّوا على الثورة والعصيان ، وممن حشدوا النفوس للتصدّي للفرس . وقد غدا شعره بذلك صنوا لسيفه في الدفاع عن كرامته . ففي المقطع الأول الذي عرض به لكسرى ، إثر المقدّمات التقليدية ، يقول :
من مُبْلغٌ كِسْرى ، إذا ما جاءَهُ * عنِّي مَآلِكَ مُخْمشِاتٍ ، شُرِّدا « 1 »
آليْتُ لا نُعْطِيه مِنْ أبنائنا * رُهُناً فيُفسِدَهم ، كمن قد أفسَدَا
حتّى يُفيدَكَ من بَنِيهِ رَهينَةً * نَعْشٌ ، وَيَرْهَنَك السِّمَاكُ الفَرقَدَا « 2 »
كلا يمينَ الله حتّى تُنزِلوا * مِنْ رَأسِ شَاهِقَةٍ إلينا الأسْوَدا « 3 »
لنُقاتلنَّكم على ما خَيّلت * ولَنَجعَلنَّ لِمَن بَغَى وتَمَرَّدا
ما بَينَ عانَةَ والفُراتِ كأنّما * حَشَّ الغُواة بِها حريقاً مُوقدا « 4 »
( 107 )
هذه الأبيات تتناول فني الفخر والهجاء ، وتعتبر وجهين متباينين لموقف واحد ، والناظر فيها يجد أنّ المعاني الهجائية تتمثّل في عدم توسّل الشاعر في مخاطبة كسرى ، وإعلانه الغضب والنقمة ، فهذا الهجاء تولّد من فخر الشاعر ، كما أنّه لا يقوم على الشتم واللعنة ، بل يقوم على موقف الشاعر النفسي ومبدأ الإرادة والحرية ، وهو نوع من الدفاع عن الكرامة إزاء الظلم والاستبداد .
هامش
( 1 ) - المآلك ، مفردها المألكة : الرسالة . مخمشات : مغضبات .
( 2 ) - بنات نعش : سبعة كواكب ، أربعة منها نعش ( أي على شكل مستطيل ) وثلاث بنات ( كالذيل لهذا المربع ) ، فمن الأربع الفرقدان ، وهما المتقدمان ، ومن البنات الجدي وهو آخرها . السماكان : كوكبان نيّران .
( 3 ) - الأسود : شقيق الحوفزان وكان أسيرا عند كسرى .
( 4 ) - عانة والفرات : موضعان بالعراق .