ظروف حياتهم ، وتكوينهم الخَلقي والخُلقي ، وموهبتهم الفطرية في الطبيعة الساخرة ، وبراعتهم الفنية ومقدرتهم البيانية في رسم الصورة التي تكون أكثر بقاء وخلودا في الذهن من طرق العرض الفنية الأخرى .
17 - إذا كان الهجاء الكاريكاتوري يعتمد على السخرية ويتخذها عموده الفقري في التصوير ، فإنّه يلجأ إلى المبالغة في إبراز هذه السخرية على نحو إيجابي ومن خلال الطاقة الإبداعية للشعراء الفنانين وقدرتهم على استبطان أعماق النفس البشرية وإظهارها في إلماعات وإلماحات لا تجافي الحقيقة ، فتعتبر هذه المبالغة من أهم العناصر المكونة للهجاء الكاريكاتوري ولونه البديعي البارز الذي يجعل السامع أو القارئ يعيد النظر في ذاك التصوير الذهني الهجائي بقصد استشفاف مزيد من الأبعاد الثانوية خلفه وعلاقتها بالمهجو ، سواء أكان ذلك الحضور المبالغ معنويا ، أم لفظيا في سياقها وتراكيبها ، أم في مضمونها ومعانيها وأغراضها . فالشعراء الكاريكاتوريون قد استخدموا المبالغة في أشكالها الثلاثة من التبليغ والإغراق والغلو ، غير أنّها تظهر في الغلو ظهورا يبلغ الصورة الهجائية إلى أقصى غاياتها الكاريكاتورية والدقة في التعبير . فنستكشف من خلال المبالغات في الهجاء الكاريكاتوري أنّ المبالغة وسيلة قولية ترسيمية عبّر من خلالها الشاعر عن موقف انفعالي ، أو جانب عقلي ، أخذ في نفسه صورة متميزة ، ومعنى متغايراً ، أراد أن ينقله كما يحسه ، ويتخيله بكل ما فيه من الانفعال ، والتفاعل للسامع أو القارئ .
18 - إنّ السخرية والمبالغة سمتان معنويتان ولفظيتان يستشعرهما القارئ أو السامع في الهجاء الكاريكاتوري بوضوح ، كما تظهران بينة واضحة على المشابهة الكبيرة التي تكون بين الهجاء الكاريكاتوري والكاريكاتور ، وتعكسان هاجسا نفسيا ومعنويا لقدرة الشعراء الكاريكاتوريين البلاغية ، ومدى تفوقهم البلاغي .
19 - كانت الظروف السياسية في العصر العباسي ، وما آلت إليه البلاد الإسلامية من تشرذم وتآمر الخلفاء والوزراء والولاة وتكالبهم عليها ، والظروف الاجتماعية الحافلة بالقلق والمليئة بالمشكلات تدعو الشعراء إلى الأدب الملتزم بشدة ، كما كان الوضع الحضاري في هذا
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 386
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٣٨٦