تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
البصر ، بل تعتمد على المدركات الذهنية المأخوذة من الحواس الأخرى ، واضطر الشاعر إلى استعمالها مستعيضا بها عن حاسة النظر ، لكي تؤدي دورها في رسم الصور الكاريكاتورية الاجتماعية التي قالها متأثرا بنزعته الشعوبية . فمارس بعده التجول في ميدانها أبو نواس ، وإن لم يكد يبلغ إلى قدرة بشار في رسم الصور الكاريكاتورية التي تتسم بنزعة الشعوبية ، ولا سيما تلك المظاهر التي تحتقر شأن العرب وتعرض لشأنهم ، ولكنه قد حلّق برسمه الكاريكاتوري في المجالات الأخرى ، ولم يغادر فيها ميدان الإبداع والابتكار ولاسيّما في الصور الكاريكاتورية المتحركة التي تشبه في كثير من الأحيان الصور الكارتونية . وبعد أبي نواس نجد أنّ دعبلا يستوفى وجوه الهجاء الكاريكاتوري أحيانا استيفاء ابن الرومي الذي شهد هذا اللون من الهجاء عنده قفزة نوعية ، حيث استغرقت التغييرات الفكرية والاجتماعية في العصر العباسي سنوات عديدة لكي تؤثر في نفسية ابن الرومي المتمتعة بخياله الرائع الذي استطاع أن يُنمِّي الهجاء في الجانب الكاريكاتوري إلى ذروة لم يصل إليها الهجاء العربي قبله ولا بعده . ثمّ توالى ظهور الشعراء النوابغ في الهجاء الكاريكاتوري في العصر العباسي المديد ، حتى ظهر المتنبي الذي كان هجاؤه الساخر مشهورا ، وإن لم يكن ميالا بطبعه إلى الهجاء . 10 - بما أنّ الفكرة الكاريكاتورية لدى الشعراء العباسيين في كثير من الأحيان قد اعتمدت على الثنائية المرتكزة على عنصرين أو أكثر ، كالتفرقة بين الغني والفقير ، والتفرقة السلطوية بين الحاكم والمحكوم ، والتفرقة الجنسية بين العربي والعجمي ، والتفرقة البيئية بين الحضري والأعرابي ، والتفرقة الثقافية بين العلماء والشعراء والفقهاء ، فإنّ مواضيع الصورة الكاريكاتورية تعددت وتباعدت اتجاهاتها واختلفت أشكالها وتباينت أساليبها ، فعبّر بعضها عن الآلام والعواطف الشخصية وتتمثل في الصور الكاريكاتورية المتعلقة بالملامح الخَلقية والأوصاف المعنوية ، فتماثل هذه الصور بالصور الهزلية الكاريكاتورية التي نراها اليوم وتشكّل إمتاعا وطرافة أكثر ، ولا يقصد الفنان من وراء أغلبيتها إلا أن يتبدل الانفعال العصبي إلى الانفعال الفني النافذ المبدع . وبعضها دار في الموضوعات الاجتماعية وتتمثل في نقد الفئات الاجتماعية المختلفة كالمرأة أو الزوجات ، والمغنين أو المغنيات ، والشعراء والكتاب و