بعد أن حاول أن يفكّ الحلف بين الأسديين والذبيانيين . فيخاطب عيينة في هذه القصيدة ويهجوه بقوله :
ألِكْني يا عُيَيْنَ إليكَ قولًا * سأهدِيهِ إليكَ إليكَ عنِّي
قوافي كالسّلامِ ، إذا استمرّت * فليس يرُدّ مذهبها التظنِّي
بِهِنَّ أدينُ مَن يبغي أذاتي ، * مُدَايَنَةَ المُداين ، فليَدِنّي
أتخذُلُ ناصري وتُعِزُّ عبسا ، * أيَربوعَ بنَ غيظٍ للمِعَنِّ
كأنّك من جِمَالِ بَنِي أُقَيشٍ * يُقَعقَعُ خَلفَ رجْلَ يْه بِشَنِّ
تَكونُ نعامَة طوْراً وطورا * هَوِيَّ الرِّيحِ تنسُجُ كلَّ فنِّ
( 193 - 194 )
فنرى أنّ النابغة في ابياته هذه قد اقترب إلى نوع من الهجاء الذي يعتمد على القيم الخلقية ؛ لأن هناك نوعين من الهجاء : « هجاء انفعالي خارجي يعتمد على التعابير المقذعة والتشابيه الدنيئة . لعلّ هذا النوع من الهجاء يضعف فيه التعبير الفني ويعتمد على التأثير العصبي ؛ فهو أشبه بالشتائم . وهناك نوع آخر من الهجاء يتنكب عن الألفاظ البذيئة أو الصورة الدعرة ويتوسّل بالتحليل النفسي الذي يظهر المهجو بصورة تخالف تمام المخالفة الصورة التي ينبغي أن يكون عليها » ( حاوي 22 ) . فإذا كان يُتوقع من عيينة أن يكون شجاعا ، فإن الشاعر يجعله في غاية الجبن والحقارة . فهذا النوع من الهجاء هو الهجاء بالتناقض والغرابة في الأصول والأحوال النفسية والخلقية ، وهو أعنف تأثيراً وأكثر بقاء وخلودا من الهجاء باللعنات والسباب .
1 - 3 - 1 - 1 مقوّمات الهجاء في العصر الجاهلي
إنّ المتفرس في الأشعارالهجائية في العصر الجاهلي ، يرى فيها بعض الخصائص والميزات التي يمكن الإشارة إلى أهمها بما يلي :
أ - عدم استقلال القصيدة الهجائية وانعكاس معانيها في الأغراض الأخرى
انعدام استقلال القصيدة الهجائية ، هو الميزة الأولى التي تلفت أنظار الباحثين والدارسين إلى شعر هذه الحقبة . فلم ينصرف الشعراء إلى الهجاء كفن مستقل ، مقتصرة غايته على ذاته ،