للأشكال المختلفة الثقافية الاجتماعية والبيئية . ذلك لأنّ « الناس لا يستخلصون جميعا نفس المعلومات ممّا يرون حتى ولو كانوا ينظرون إلى نفس الأشياء ، وذلك لأنّ المعنى في أي لغة سواء أكانت لغة بصريات أو لغة الكلام ، ليس في الكلمات أو الحروف أو الخطوط أو الألوان أو الفراغات . بل هو في الحقيقة الكامنة فينا نحن ، فلقد تعلمنا أن نربط بين بعض المعاني وتلك الرموز ، وعندما نفهم كلمة ما أو صورة ما في شكل مطابق فلا بد أننا تعلمنا نفس المعنى بشكل يمكننا من التفاهم وقد لا يفهم شخصان الكلمة أو الصورة نفسها بنفس الطريقة تماما وسبب ذلك أنّ طريقة تفسيرنا لها يعتمد على علاقتنا بها وهذه تختلف كثيرا ، فإذا كانت الارتباطات بنفس الكلمة أو الصورة مختلفة كثيرا فإننا قد نسيء فهم بعضنا البعض ، وعندما تكون الاختلافات عظيمة جدّا فإننا لا نستطيع التفاهم إطلاقا » ( فريد زمر 31 ) .
أمّا الصورة فهي أحسن وسيلة للتعبير عن الأشياء والأشخاص ، وفي الهجاء الكاريكاتوري نرى وحدة متكاملة بين الشكل والمحتوى ، يوفق الشعراء من وضع الرموز التي تجسد المدلولات التي يرغبون في نقلها . وهذه الرموز تتجلى في الكناية التي تكتسب خاصيات الرمز وأبعاده ، إذا تحولت إلى صيغ رمزية ناهضة بالرؤى والقيم المتناقضة ، التي عايشوها بمستوياتها المختلفة ، اجتماعيا وسياسيا ، كما ربط الشعراء استحضار الشخصيات التراثية بهذا المنوال ، وقاموا بتوظيفها في سياق معالجة الوقائع ، فضلا عن رغبتهم في إضفاء سمة الغموض على المواقف والتعبير عنها بالرموز والأقنعة .
وبناء على هذا النمط الرمزي اعتمد الشعراء الكاريكاتوريون في تشكيل صورهم الساخرة على عناصر متعددة من التراث المعرفي بأنواعه المختلفة ، وأفادوا من خزانة ثقافتهم الشاملة في لوحاتهم الساخرة التي تشمل جوانب معنوية وحسية ، واستعانوا من هذه الثقافة إما في إطار المقارنة التي تهبط بالمهجو وتجعله الطرف الناقص في حمل تلك الصفة ، وإمّا حمل الشاعر المهجو الصفة الموظفة ، بغرض اثبات النقص عنده بطريقة الهزل والتلاعب . ومن هذه المعارف ما يستمدّ من الثقافة الدينية والثقافة التاريخية الأسطورية .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 370
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٣٧٠