تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
الحالة الأولى مادة تتحكم فيها قوانين المواضعة وأعراف الاستعمال وتتميز بمنطق عقلي يحكمها المعيار النفعي ، ولكنها في الحالة الثانية صورة ورمز ، ذات منطق خاص لا يتحكم فيه غير الشعور واللا شعور . أمّا الهجاء الكاريكاتوري الذي نحن بصدده ، فيتميز بعدوله عن المواصفات والأعراف اللغوية الشعرية السابقة عليه في التعبير ، إذ يدخل في ساحة الصورة التي يستخدمها الشاعر المبدع لخلق معنى جديد يظهر من خلاله مدى قدرته الإبداعية ، حيث يحاول إخراج الكلمة من معناها المعجمي الضيق إلى معنى أرحب عن طريق العلائق الجديدة بعضها ببعض ، بحيث تبعث الحيوية والحركة ، وتكسر الجمود والرتابة ، فغاية الصورة فيه أن تترك في نفس القارئ والسامع انطباعا جميلا مبهما أشبه بما يتركه منظر من مناظر البصرية في نفسه . فبحث النظام اللغوي في الصورة الكاريكاتورية الشعرية هو البحث عن الوظائف التي تقوم بها عناصر القول في عملية التبليغ ، كما أنّ الوظيفة الأساسية للسان هي التبليغ . لذلك قيل « أنّ اللغة البشرية تتيح لكل إنسان تبليغ تجربته الشخصية إلى نظائره » ( رتيمة 50 ) . أما اللغة فتشغل البنية الأساسية في الهجاء الكاريكاتوري ، فهي أنظمة تعبيرية تعين الشاعر في رسم الصورة ، وكذا المتلقي نحو تجسيدها . إذن تقتصر الرسالة اللسانية في هذا اللون من الهجاء على بحث الدلائل اللغوية المتمثلة في الكلمات والجمل التي تحمل الصورة . والدليل اللغوي حسب فرديناند دي سوسير « 1 » يتألّف من « مضمون ( مدلول ) ومن تعبير صوتي أي أنه يشمل مفهوما وصورة صوتية » ( إبراقن 178 ) . وعلى حد قول علماء اللسان « إنّ العلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة إعتباطية ، أي ذات طبيعة إتفاقية عرفية تعارف عليه المجتمع وبالتالي فإنّ هذه العلاقة غير مبررة في الواقع المادي بخلاف المرجع » ( إبراقن 181 ) ، بينما نجد في الهجاء الكاريكاتوري تمتزج هذه العلاقة بالعلاقة المعللة التي نراها بين الدال والمدلول في الصور ، حيث قيل إنّ هذه العلاقة « بالنسبة إلى الصور البصرية أو الصوتية فإنّ علاقتها بالواقع ليست كلها إعتباطية ، فقد تكون
هامش
( 1 )- F . DE . Saussure