تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
وكثيرا ما نلاحظ أنّ الشاعر يهجو خصمه لينال أيضا من قبيلة هذا الخصم ، ويقارن بين قومه وقوم المهجو ، فتتناوب في هذه الحالة أبيات الهجاء مع أبيات الفخر ، وبذلك تقدّم الهجاء عندهم كما تقدّم عند غيرهم ، وارتفع عن الأحقاد الشخصية إلى مشكلات الحياة القبلية ؛ لأنّ الشعراء كانوا جزءاً مهما من النظام القبلي ، يتغنون بمفاخرالقبيلة ، ويمجدون بطولاتها في الحروب ، ومآثرها في السلم ، ويصورون الآمال والمطامع التي ترنو إليها القبيلة ، والعهود والأحلاف التي تتقيد بها في الصداقة والعداوة . يهاجمون بأشعارهم هذه ويمجدون تلك ، وأفراد القبيلة جميعا من ورائهم يحفظون هذا الشعر ويذيعونه ، مفاخرين به ومكاثرين . و « كانت القبائل تعتمد في حروبها على الشعر اعتمادها على السلاح . ولم يكن الهجاء أخف وقعا على الأعداء من وقع الرماح ، كما يقول عبد قيس بن خُفاف البُرجُمِيّ :
وأصْبَحْتُ أعْدَدْتُ لِلنَائبَا * تِ عَرْضاً بَريئاً وعَضْباً صَقِيلا
( أبو تمام 224 ) فمثل هذه الأبيات تدل على أنّ قوة البيان عندهم كانت نظير قوة السنان . والشاعر العربي يدفع بالهجاء ، كما يدفع بالطعنة النجلاء . وهذا ما يقوله طرفة بن العبد :
وتصدُّ عنك مَخِيلة الرجل ال - * - عِرّيضِ مُوضِحَة عن العَظْمِ « 1 » بحُسامِ سَيفِكَ أو لِسانِك وال - * - كَلِمُ الأصِيلُ كأرغَبِ الكَلْمِ
( 81 - 82 ) إذن كانت مهمة الشاعر الأساسية في شعره عامة وهجائه خاصة هي الدفاع عن القبيلة ، وجعل إرادتها ومصلحتها فوق إرادته ومصلحته ، كما كان يصوّر في هجائه هذا المثل الخلقي خلال سخطه وغضبه والسخرية من نقيضه . وهذا ما نلاحظه في هجاء النابغة الذبياني . إذا تأملنا في شعر النابغة نلاحظ كثيرا من الهجاء القبلي في شعره ، خاصة في دفاعه عن أحلاف قبيلته بني أسد . فعندما كان العامريّون والعبسيون يحاولون أن يفكّوا الحلف بين أسد وذبيان ، كان النابغة في سبيل تعزيز هذا الحلف ، يناصر بني قومه ويهجو الأعداء الذين يحاولون الإيقاع بين الذبيانيين وحلفائهم . ولقد ظهر ذلك في القصيدة التي هجا بها عيينة ،
هامش
( 1 ) - العرّيض : الذي يتعرّض للناس بشرّه . الموضحة : هي الطعنة أو الضربة التي تحدث شجة تكشف عن العظم .