عَلَّقَ اللهُ فِي عِذَارَيْكَ مِخْلا * ةً وَلكِنَّهَا بِغَيْرِ شَعِيرِ
( 32 : 3 - 33 )
شبّه الشاعر لحية المهجو بالمخلاة التي تُعلَّقُ في عنق الحمير ، ثمّ حذف المشبه وهو اللحية وأتى بالمشبه به وهو المخلاة على سبيل الاستعارة المصرّحة . بينما أنّ هذه المخلاة لا فائدة لها في تعليقها على عنق المهجو حيث لا يوجد فيها أي شعير بينما أنّ المخلاة التي تُعلّق على عنق الحمير مليئة بالشعير . كما نجد هنا أيضا إشارة ضمنية لتشبيه المهجو بالحمار لعلنا نستطيع أن نعبر عنه بالكناية أو بالاستعارة المكنية .
فلعل ابن الرومي من أكثر الشعراء استخداما لهذا الأسلوب البياني في الهجاء الكاريكاتوري ، حيث إنّه كان فنانا بارعا بما أوتي من ملكة التصوير ولطف التخيل والتوليد وبراعة اللعبة بالمعاني والأشكال . وهذا يؤكد أنّه ليس من الضروري أن يكون كل هجاء خارجا على المجتمع مبغضا لكلّ ما فيه ، فابن الرومي لم يكن كذلك ولكنّه كان ناقدا شديد الحساسية يثور على ما لا يعجبه ( انظر : محمد جيدة 114 ) .
ومهما يكن من الأمر فإنّ هذه التشابيه والاستعارات إيقونة للصفات التي وجدها الشعراء الكاريكاتوريون العباسيون في مهجويهم وهكذا تتحقق علاقة الشبه بينها وتكون دليلا على مدلوليها .
ج - الكناية : يعتمد الشعراء الكاريكاتوريون على صور تخييلية إيحائية ، كنوع من الكناية والتورية ، فيعرضون شيئا وهم لا يقصدونه لذاته ، بل يريدون شيئا آخر يجانسه بالقرب أو البعد ، وقد تكون كل لفظة في حدّ ذاتها موحية بالصورة ، كما يكون التركيب موحيا ، وقد لا تكون الصورة حصيلة اللفظة الواحدة أو التركيب ، بل من شيء يموج في ذهنهم ، لم يصرّحوا به ، وإنّما لمّحوا إليه في ثنايا العرض . واللافت للنظر أنّ أكثر كنايات الشعراء الكاريكاتوريين تظهر من خلال التصوير والتمثيل ، والاستعارة والتشبيه ، مما يؤكد أنّهم شعراء مصورون وبلغوا من قوة امتلاكهم للغة حداً جعلهم يستخدمون كل ما فيها من الطاقات في سبيل الغاية التي يرنون إليها . فلعل أغلبية اللوحات التي رسمها الشعراء الكاريكاتوريون إن لم نقل كلها - تدل بالكناية فضلا عن الايحاءات التي تشع من كل جوانب . فأكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها