حتى لا أكرر ما أفضتُ فيه في المباحث الماضية . منها تلك اللوحة التي رسمها أبو نواس لقدر مهجوه :
قِدْرُ الرَّقَاشيِّ مَضْرُوبٌ بِهَا الْمَثَلُ * فِي كُلِّ شَيْءٍ خَلا النِّيرانَ تُبْتَذَلُ
تَشْكُو إلَى قِدْرِ جَارَاتٍ إذَا التَقيَا * اليَوْمَ لِي سَنَة مَا مَسَّني بَلَلُ
( 399 )
فما نريد أن نشير إليه في هذه اللوحة ، هي الكناية التي تسود الأبيات وتعبّر عن بخل المهجو . فكما نرى أنّ هذه الكناية تولّد من الاستعارة ، حيث استعار لقدر المهجو صورة إنسان يشكو إلى جاراته من عدم مسه الماء منذ سنة ، على سبيل الاستعارة المكنية وفي هذا كناية عن بخل المهجو ، لأن هذا الأمر يستلزم البخل .
ومثل هذه الكناية عن البخل في الصورة الساخرة ، قول ابن الرومي :
إنَّ كَفَّيْكَ لَقُفْلٌ * مُحْكَمٌ يَا ابْنَ جَرَاشَه
فَعَمُودُ الْقُفْلِ يُمْنَا * كَ وَيُسْرَاكَ الْفَرَاشَه
لَيْسَ يَنْجُو الْفَلْسَ مِنْ كَفْ - * - فَيْكَ إلا بِالْحُشَاشَه
( 337 : 3 - 338 )
إلا أنّ الكناية في هذه الصورة قد تولدت عن تشبيه كف المهجو بالقفل ، وهذا كناية عن بخله .
وفي بعض الأحايين تتولد الكناية من التمثيل ، ومن الأمثلة على ذلك قول ابن الرومي :
فَلَوْ يَسْتَطِيعُ لِتَقْتيرِهِ * تَنَفَّسَ مِنْ مِنْخَرٍ وَاحِدٍ
( 160 : 2 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 5 )
فكل الصورة كناية عن بخل المهجو ، حيث ننتقل في هذه الصورة تلقائيا إلى التأمّل في حرص الناس على التنفّس ، الذي هو أساس الوجود البشري ، إذ لو يقدر الواحد منهم أن يتنفّس بكل جوارحه لفعل ، لكن عيسى يظهر في صورة مغايرة تماما ، بسبب بخله .
ومثل هذه الصور الكنائية ما رسم لطيلسان أعطاه إيّاه ابن حرب ، ليكنّى بهذا الرسم الساخر عن بلاء هذا الطيلسان وبخل صاحبه ، فيقول على مذهب الحمدوني :
لِي طَيْلَسَانٌ لَيْسَ يَتْرُكُ لِي * رَفْوِي لَهُ مَالًا وَلا نَشَبَا « 1 »
هامش
( 1 ) - النشب : المال .