طِرْبٌ تُغَنِّي مِنْهُ نَاحِيَةٌ * وَتَشُقُّ أخْرَى جَيْبَهَا طربا
كَيْفَ السَّبِيلُ إلَى عِمَارَتِهِ * وإذَا عَمَرْتُ خَرَابَهُ خَرَبَا
( 208 : 1 - 209 )
أما ذكر هذه الأمثلة للإشارة إلى أسلوب الكناية في اللوحات الهجائية ، لا يعني أنّ هذه الكنايات كلها تقتصر على موضوع البخل ، بل هناك الكثير من اللوحات في المضامين الأخرى التي تعتبر الكناية فيها من أهم خصائصها الأسلوبية لرسم الصورة الساخرة للمهجو . فمثلًا ابن الرومي لكي يظهر الذلة والمسكنة عند مهجوّه ، وكذلك الحقارة التي تحمل الناس على ضرب المهجو غادين رائحين ، ليتخلصوا من وبائه ، يظهره قائما كقاعد دائم الانكماش من الصفع والوكز بالأقدام ، يقول :
أقْمَأهُ القَفْدُ فَأضْ - * - حَى قَائِماً كَقَاعدِ
( 277 : 2 )
ومثل قول المتنبي في هجاء كافور ، حيث يقول :
وتُعْجِبُني رِجْلاكَ فِي النَّعْلِ إنَّني * رأيْتُكَ ذا نَعْلٍ إذا كنتَ حَافِيَا
( 388 : 2 - 389 )
ففي الصورة التي يرسمها الشاعر لا فرق إذا كان كافور حافيا أو منتعلا ، لأنّ لون قدميه كلون النعل ، وهذا كناية عن شدة سوادها .
ونخلص مما ذكرناه في مبحث الكناية ، أنّ الكناية بظواهرها المختلفة كانت من أهم الوسائل في رسالة الإيقونة وغزارة الدلالة وتركيز الصورة وجمالها عند الشعراء الكاريكاتوريين الذين كانوا يمتلكون قدرات جبارة في استثمار الخصائص اللغوية وتطويعها للوحاتهم الكاريكاتورية الهجائية .
7 - 3 - 2 - 2 - 2 الرسالة اللسانية
اللغة ( اللسان ) نظام من الدلائل تعبر عن الأفكار ( انظر : جين مارتينه 37 ) ، إذ تتألّف من رموز تنتظم فيما بينها مقاطع صوتية وكلمات وجمل ، ويقول ابن جنّي ، إنّ حدّها أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم ( انظر : رتيمة 24 ) . فاللغة وسيلة اتصال في تلبية حاجات الناس والمجتمع ، كما تعتبر مادة لبناء الشعري ، لكن هناك فرق بين استخدام اللغة كوسيلة ارتباطية فحسب ، وبين استثمارها كغاية تستوعب المشاعر الإنسانية في أشكال تعبيرية . فهي في