تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
فإذا تأملنا الصور الكاريكاتورية في هجاء العصر العباسي نلاحظ تنوع التشبيهات عندهم ، تنوّعا يظهر سعة في الخيال الشعري ، وقدرة كبيرة على التصوير ، كما يدلّ على أنّ الإيقونة في أكثر هذه الصور ترتكز على التشبيه بين الدال والمدلول . وهذا لا يعني أن الصور القائمة على الاستعارة قليلة في الهجاء الكاريكاتوري ، بل نجدها كثيرا وإن لم تصل إلى حد التشبيه ، حيث تشكل الاستعارة ولاسيّما المكنية منها مساحة كبيرة في الصور الكاريكاتورية . ولعلّ شيوع هذا النوع من الاستعارة في الهجاء الكاريكاتوري مما يفسر اعتبار شعرائها شعراء مصورين لما فيه من براعة التصوير ونوع خفاء يحتاج إلى قوة النفس ويقظة الحس . فعلى سبيل المثال نأتي بالصورة التي رسمها ابن الرومي لأنف عمر النصراني :
عَلَيْكَ خُرْطُومُ صدْقٍ لا فُجِعْتَ بِهِ * فَإنّهُ آلَة لِلْجُودِ وَالْباس
( 302 : 3 - 303 ) فعلى سبيل الاستعارة المكنية في المقطع الأول من البيت ، شبه المهجو بالفيل فحذف المشبه به وهو الفيل ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الخرطوم ، أي استعير الخرطوم من المشبه به وهو الفيل للمشبه وهو المهجو وألصق به للتدليل على صفة الطول في أنفه . وكذلك في مشهد آخر قال :
إنْ كانَ أنْفُكَ هكَذَا * فَالْفِيلُ عِنْدَكَ أفْطَسُ وإذا جَلَسْتَ عَلَى الطَّرِي - * - قِ وَلا أرَى لَكَ تَجلِسُ قِيلَ : السَّلامُ عَلَيْكُمَا * فَتجيبُ أنْتَ ويَخْرسُ
( 278 : 3 - 279 ) ففي البيت الثالث شبه الشاعر أنف المهجو بإنسان ، فحذف المشبه به وهو الإنسان ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو سلام المارّين عليه وألصق هذه الصفة بالمشبه وهو الأنف للتدليل على أنه لكبره كشخص متميز عن المهجو . أمّا الإتيان بالأمثلة التي تدلّ على الاستعارة المكنية ، فلا يعني أنّ الشعراء الكاريكاتوريين لم يجرّبوا الاستعارة المصرّحة ، بل نرى أحيانا تداخل هاتين الاستعارتين في التصوير الهجائي ليقوي جانب المبالغة التي تتسم بها الاستعارة وتعتبر من أهم الجوانب التشكيلية في الصور الكاريكاتورية . منها ما جاء به ابن الرومي في اللوحة التي رسمها لمهجوه بقوله هذا :