تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
التصويرية التي تضم هذه العناصر على تباعدها لتكوّن منها الصورة الكاريكاتورية بالتضخيم . فنأتي هنا بذكر بعض التشبيهات على سبيل المثال لكي يظهر أنّ التشبيهات البصرية تتفوق على غيرها من حيث الكم تفوقا واضحا . وذلك لأن الصورة الكاريكاتورية تعتمد على الصورة البصرية في إدراك الأشياء ورؤيتها بأحجامها وأشكالها وألوانها وحركاتها ، وسكناتها وهدوئها وضجيجها ، ثمّ التأمل المستغرق في إدراك النظير والمماثل وربطه أكثر بالصور الأخرى وهذا ما يؤكد على المقدرة الفنية لدى الشعراء الكاريكاتوريين في فهم أهمية التشبيه ودوره في الرسالة الإيقونية . فمن الأمثلة على هذه التشبيهات ما استعان به أبو نواس في الإشارة إلى سمات المهجوة التي يريد التدليل لها ، حيث قال :
رِدْفُهَا طَسْتٌ وَلَكِنْ * بَطْنُهَا زُكْرَةُ خَلِّ « 1 »
( 408 ) فنلاحظ في هذه الصورة تشبيه ردف المهجوة بالطست وبطنها بركزة خل ، لتخلق تلك الصورة الكاريكاتورية التي أراد الشاعر رسمها للمهجوة . ومثل أبي نواس في امتداد تشبيهاته وتوسّعها ، دعبل الخراعي الذي اعتمد كغيره من الشعراء الكاريكاتوريين في تكوين صوره على التشكيل والتصوير ، لا على المعنى والتجريد ، وذلك بهدف اضحاك الآخرين وشدّ انتباههم . فاستعان بكل عناصر السخرية والهزل ، وفي ديوانه نماذج غير قليلة من التصوير التشبيهي الساخر الذي « يضيف معلما جديدا يعمق الإطار الفكري والفني للسخرية » ( عويضة 170 - 171 ) . وقد أدرك ابن الرشيق ضرورة توافر التشبيه في صناعة الشعر حتّى يعدّ الشاعر شاعرا ، ولهذا ذكر أنّ ابن الرومي أولى الناس باسم الشاعر ، لكثرة اختراعه وحسن افتنانه ( انظر : القيرواني 286 : 2 ) . ومن صنعة التشبيه في تصاوير ابن الرومي ما رسم لأبي حفص باستمداده من الصورة البيانية التي شبه فيها صلعة المهجو بمرآة من الفولاذ ، فقال :
يَا صَلْعَة لأبي حَفْص ممرَّدة * كأنّ سَاحَتَهَا مِرآة فُولادِ تَرنّ تَحتَ الأكُفِّ الواقعات بِها * حتى ترنّ لها أكْناف بغدادِ
( 113 : 2 )
هامش
( 1 ) - الزكرة : وعاء من جلد للخمر ونحوه .