فكلّ فعل من هذه الأفعال يحمل مشهدا متحركا ، يضاعف الأثر النفسي عند المتلقي ، ويدفعه إلى متابعة المشاهد التالية ، لارتباط بعضها ببعض . فهذه اللوحة تبدأ بانفعالات سلبية لدى البخيل ، عندما يرى زائرا ، تدفعه لمناغاة الخبز والسمك إشارة منه إلى أنّها ليست للأكل ، وعلى الرغم من ذلك فقد لجأ إلى وسائل أخرى لحماية طعامه كتغيير ملامح وجهه وطأطأة رأسه وانتحابه ، حتى يقسم له الضيف أنّه صائم وبهذا القسم عاد إلى حالته الطبيعية التي عبّرعنها الشاعر بضحك المهجو . فهكذا تداخل الصور الجزئية بعضها في بعض وتسلسل الأفكار وتواليها في ذكر المشاهد تنتهي إلى الحالة الأخيرة وتكوين اللوحات المتحركة الشعرية . كما أنّ وضع الألفاظ في موضعها والانتقال في المعنى من صورة إلى صورة بالاختزال والتكثيف للتركيز على المعاني الوصفية المعبرة من أهم الملاحظات في بناء هذه الصور الساخرة .
ومثل هذه اللوحة التي تتكون من مشاهد متعددة وصور جزئية قوله في بخيل آخر :
رَغِيفُ سَعِيد عِنْدَهُ عِدْلُ نَفْسِهِ * يُقَلِّبُهُ طَوْراً وَطَوْراً يُلاعِبُهْ
وَيُخْرِجُهُ مِنْ كُمِّهِ فَيَشَمُّهُ * وَيُجْلِسُهُ فِي حِجْرِه ، وَيُخَاطِبُهْ
وإنْ جَاءَهُ الْمِسْكِينُ يَطْلُبُ فَضْلَهُ * فَقَدْ ثَكِلَتْه أمُهُ وَأقَارِبُهْ
يكِرُّ عَلَيْهِ السَّوْطُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * وَتُكْسَر رِجْلاهُ ، وَيُنْتَف شَارِبُهْ
( 403 )
استعان الشعراء الكاريكاتوريون في تكثيف الصورة بالأساليب المختلفة كأسلوب الحوار ( انظر : أبي نواس 220 ، وابن الرومي 205 : 1 ) والأسلوب القصصي ( انظر : دعبل 50 ) ، وأسلوب الافتراض ، فاستندت الصور إلى المستحيلات والمعاني المفقودة من واقع الحياة ( انظر : الأصفهاني 174 : 3 ) ، كما اعتمدوا في رسم هذه الصور المركبة الشعرية على المعاني المتنافرة ، لخلق علاقات جديدة بين الألفاظ والأشياء .
ومن هؤلاء الشعراء ، ابن الرومي الذي استطاع بأداواته الفنية وقدراته الابتكارية ، وإدراكه بالعلاقات الكامنة بين الأشياء ، أن يأتي بصور ملونة تجمع الحسي بالمعنوي ، وتتلمّس روابط خفية ، لا يصل إليها إلا من امتلك حسّا بالمتناقضات ، ومن ذلك قوله :